بينما كانت العيون متجهة نحو السماء تراقب صواريخ تُطلق من طهران باتجاه تل أبيب، وأخرى ترد من إسرائيل، كانت الأرض تصرخ بصمت، تلوث الهواء، احتراق الغابات، تسرب الوقود، وتدمير الموارد الطبيعية، وتسراب الإشعاعات، فالحروب الحديثة لم تعد تقتل البشر فقط، بل تفتك بكوكب بأكمله.
وفي ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، تعود الأسئلة البيئية لتطفو على سطح الاهتمام، كيف تترك هذه الحروب آثارًا طويلة الأمد على البيئة؟ وما حجم الانبعاثات التي تطلقها آلة الحرب في الهواء؟ وما الذي تقوله الدراسات حول التدمير البيئي كـ"جريمة حرب" صامتة؟
في تقرير صادر عن منظمة “Charita Czech”، يتبيّن أن القطاع العسكري العالمي يساهم بحوالي 5.5% من إجمالي الانبعاثات الكربونية العالمية. ولتوضيح حجم الكارثة، فإن الحرب في أوكرانيا وحدها، في أول ثلاث سنوات فقط، تسببت في إطلاق أكثر من 230 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لدول مثل النمسا وسلوفاكيا والتشيك مجتمعة.
تشير الدراسة إلى أن ما يقارب 42% من هذه الانبعاثات لا تنتج عن القتال المباشر، بل عن عمليات إعادة البناء اللاحقة، وهو ما يجعل تبعات الحرب البيئية أكثر استدامة وفتكًا من المعارك نفسها.
وبحسب دراسات حديثة فإن العدوان لإسرائيل على غزة سبب بكارثة بيئية وأشارت الدراسات إلى أن ما يقارب 80% من الغطاء النباتي في القطاع دُمّر خلال أشهر من القصف المتواصل. ولم يتوقف الأمر عند النبات؛ فقد تضرّرت نحو 68% من الأراضي الزراعية، وتعرضت مصادر المياه الجوفية للتلوث الحاد بسبب القنابل واختلاط مياه الصرف بالمياه العذبة.
وحسب بيانات نُشرت بالتعاون مع جامعة كوين ماري البريطانية، فقد أنتج العدوان الأخير على غزة ما بين 420 إلى 653 ألف طن من مكافئ CO₂ خلال 120 يومًا فقط. هذا الرقم يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لدولة مثل آيسلندا، رغم أن غزة لا تملك مصانع أو بنى تحتية ثقيلة.
وقدرت دراسة النزاعات المسلحة تُحدث أضرارًا بيئية طويلة الأمد"، والتي اجراها فريق بحثي يقوده الدكتور : فلوريان كرامب من المجلة الدولية للأبحاث البيئية، بأن الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة العسكرية العالمية عام 2019 بلغت حوالي 1.2 مليار طن مكافئ CO₂.
وفي مثال مأساوي آخر، تسببت حرب الخليج الأولى عام 1991 في تسرب 3.5 مليون طن من النفط في صحراء الكويت والخليج العربي، إلى جانب 800 ألف طن من النفط الخام مباشرة إلى المياه، مما أدى إلى أكبر كارثة نفطية بيئية في التاريخ.
الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وإن كانت قصيرة نسبيًا، فإن آثارها البيئية لم تُحص بعد. لكن ما نعرفه من تجارب سابقة هو أن كل غارة جوية وكل انفجار وكل صاروخ يعني طناً جديداً من الانبعاثات، وهكتاراً من الأرض المحروقة، وآبار مياه قد تختلط فيها الكيماويات بالدم.
ففي الحروب الجوية، غالبًا ما تستخدم القوات صواريخ عالية الاحتراق، تؤدي إلى إطلاق جسيمات دقيقة ملوثة للهواء وتضر بالجهاز التنفسي للمدنيين والحيوانات على حد سواء. كما تؤدي القنابل الثقيلة إلى تدمير شبكات الصرف الصحي والمياه، ما يهدد بانفجار أزمات صحية وأوبئة في المناطق المنكوبة.
ويرى باحثون بيئيون إن تجاهل أثر الحروب على المناخ والبيئة في التقارير الأممية يشكّل ثغرة قاتلة. فبينما تُسجّل الدول انبعاثاتها من المصانع والمركبات، تبقى انبعاثات الجيوش محصّنة من المحاسبة في معظم الاتفاقيات المناخية، بما فيها اتفاقية باريس للمناخ.
لذلك، تزداد دعوات الناشطين والمختصين إلى إدراج ما يُعرف بـ"القتل البيئي" ضمن جرائم الحرب، خاصة حين يتعمّد أحد الأطراف تدمير مصادر المياه أو إحراق الغابات أو تلويث التربة، كما يحدث مرارًا في الحروب الحديثة.