تعد الرعاية الصحية الأولية في الأردن الواجهة الأولى للمنظومة الصحية لكنها تعاني من تحديات هيكلية تتعلق بالكثافة السكانية المتزايدة والهجرات القسرية والأعباء الاقتصادية وفق مدير الخدمات الطبية الملكية السابق وعضو اللجنة الاستشارية في مجلس السياسات الوطني الدكتور عادل الوهادنة.
وأوضح الوهادنة إلى "الرأي" أن بعض المؤشرات تظهر تحسنا طفيفا في التغطية، فإن جودة الرعاية وتكاملها، وعدالتها الجغرافية، وفعاليتها الاقتصادية لا تزال موضع تحد للوصول نحو نموذج وطني متكامل للرعاية الصحية الأولية في الأردن.
ودعا لمحاور مقترحة للإصلاح والتحول في هذا الشان، مثل تحويل التمويل إلى نماذج مبنية على الأداء (Pay-for-Performance)، وإدماج الرعاية الأولية في الحزمة الأساسية للتأمين الصحي الشامل، كذلك تعميم تدريب أطباء الأسرة الإجباري لكل طبيب رعاية أولية، وتطوير وحدات صحية مجتمعية مصغرة لخدمة المناطق المحرومة.
واقترح الوهادنة فرض اعتماد الملف الصحي الإلكتروني الوطني، وربط المراكز الصحية مع المستشفيات والعيادات الخاصة، وبناء شبكة وطنية موحدة للرعاية الأولية تضم القطاعين العام والخاص، وتطوير نظام تعاقدي مع المراكز الخاصة ضمن معايير جودة، بالإضافة إلى تحفيز العمل في الأطراف من خلال حوافز مالية وسكن وظيفي، وإدماج برامج التعليم الطبي المستمر ضمن رخصة الممارسة.
وطالب بفصل الخدمات الإدارية عن الإكلينيكية داخل المراكز، وتعيين مدير طبي مؤهل لكل مركز صحي شامل، وإعادة صياغة قانون الرعاية الصحية الأولية ضمن قانون الصحة العامة، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لتقييم أداء مراكز الرعاية الأولية، ناهيك عن إعادة رسم الخارطة الصحية الوطنية وفق بيانات الاحتياج والعبء الصحي، وتبني نموذج وطني موحد للرعاية الصحية النفسية الأولية، والربط الإجباري بين الرعاية الأولية والمؤسسات الأكاديمية الطبية.
وأشار الوهادنة إلى أن عدد المراكز الصحية الأولية يبلغ نحو 740 مركزا، 110 منها شاملة، وأكثر من 630 أوليا وفرعيا، فيما الكثافة الأعلى تتركز في محافظتي العاصمة والزرقاء، بنسبة تغطية تفوق 1.2 مركز لكل 10,000 نسمة، مقابل 0.5 في الكرك و0.4 في الطفيلة، مبينا أن هناك وجود فجوات واضحة في التوزيع المكاني، خاصة في البوادي، والأحياء العشوائية، والمناطق الحدودية الشمالية.
ولفت إلى أن عدد الأطباء العامين في المراكز الصحية لا يتجاوز 1,250 طبيبا، بمعدل 0.7 طبيب لكل 10,000 نسمة، ونسبة الأطباء المتخصصين في طب الأسرة لا تتجاوز 18 بالمئة من الكوادر، حيث أن هناك ارتفاع بمعدل الدوران الوظيفي للأطباء في المراكز الطرفية بنسبة تصل إلى 28 بالمئة سنويا.
ونوه الوهادنة إلى أن أقل من 40 بالمئة من المراكز الصحية تتوفر فيها مختبرات مفعلة، و28 بالمئة فقط تملك جهاز أشعة، كما أن غالبية المراكز الصحية الفرعية لا تعمل بنظام المناوبة المسائية أو نهاية الأسبوع، مما يزيد الضغط على أقسام الطوارئ، بالإضافة إلى أن 65% من المراكز لا تمتلك سجلا إلكترونيا موحدا، مشيرا إلى أن ضعف الربط بين المراكز والمستشفيات في نظام الإحالة الإلكتروني يؤدي إلى تكرار الفحوصات وتأخير الخدمات.
وبالنسبة لمتوسط الإنفاق السنوي على الرعاية الأولية في الأردن، أكد أنه يبلغ حوالي 110 دولارا للفرد، فيما يمثل الإنفاق على الرعاية الأولية أقل من 14بالمئة من إجمالي الإنفاق الصحي الحكومي، مقارنة بـ 25 بالمئة في أنظمة صحية متقدمة.
ونبه إلى أن هناك تغيرات الديمغرافية والوبائية وتحولات بالمستقبل يجب النظر إليها، حيث يتوقع أن تبلغ نسبة السكان فوق 60 عاما 12 بالمئة بحلول 2035، كما سيكون هناك ارتفاع نسب الأمراض غير السارية، فمثلا 45 بالمئة من وفيات البالغين تعود إلى أمراض مزمنة يمكن الوقاية منها، كذلك تزايد نسب اضطرابات الصحة النفسية، وأعباء اللجوء المستمرة.
واعتبر الوهادنة أن الرعاية الصحية الأولية في الأردن تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة التموضع، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية، وشراكة مجتمعية، وتحول مؤسسي حقيقي.