يقف الأردن كصخرة صامدة وسط أمواج مضطربة، كشجرة زيتون ضاربة في أعماق الأرض، لا تهزها الرياح ولا تقتلعها العواصف. أرضٌ تنبض بالكرامة، تنضح بالعطاء، وتنزف صبرًا واحتمالًا. لم يكن يومًا متفرجًا على أوجاع أمته، ولم يعرف الحياد في قضاياها. كان وما زال الحضن الدافئ لكل من جار عليه الزمن، وملاذًا لكل من لفظته الأقدار.
لم يسأل الأردن يومًا: «ماذا سأكسب؟» بل كان سؤاله الدائم: «كيف يمكنني أن أساعد؟» فحينما اغتُصب الوطن من الفلسطينيين، كان أول من فتح ذراعيه لهم، لم يعاملهم كلاجئين بل كأبناء، لم يرَ فيهم غرباء بل أشقاء، قاسمهم الأرض والماء والهواء، رغم شح موارده وثقل الأعباء على كاهله.
وحينما اشتعلت نيران الحرب في العراق، لم يغلق أبوابه، بل فتحها مشرّعة للأسر الفارة من الجحيم، لم يتذمر من الحمل الثقيل، ولم يضيّق على من التجأ إليه، بل تقاسم معهم لقمة العيش وشربة الماء، رغم أن موائده لم تكن عامرة، ورغم أن حاجته كانت ملحة، لكنه آثرهم على نفسه.
وفي ليبيا واليمن، حيث اجتاح الخرابُ البيوت وأحال المدن إلى ركام، كان الأردن هناك، ليس بالمراقب الصامت، بل بالأخ الذي يمد يده ليضمد الجراح، بالمعين الذي لا يكلّ ولا يملّ، بالحارس الذي يرعى ولا يخذل.
ومع كل هذه المواقف المشرفة، مع كل هذا العطاء الذي لا يُقابل بشروط، كيف يُكافأ الأردن؟ كيف يُقابل هذا البلد الوفي الذي لم يدخر جهدًا في نصرة أشقائه؟ بدلًا من الشكر، يتلقى اللوم. بدلًا من التقدير، يُحاصر بالانتقادات. بدلًا من الدعم، يُترَك ليواجه وحيدًا أزماته الاقتصادية وضغوطه السياسية.
لكن الأردن لا ينتظر الجزاء، ولا يسعى وراء الأضواء. فهو لا يعطي طمعًا في مديح، ولا يمد يده انتظارًا لمكافأة. إنه يعطي لأنه يعرف أن العروبة ليست مجرد كلمات تُتلى في المحافل، بل مسؤولية ثقيلة تُحمل على الأكتاف. إنه يمنح بلا حساب، لأن ذلك جزء من هويته، جزء من روحه التي لا تنكسر ولا تستسلم.
اليوم، بينما ينكفئ كثيرون على أنفسهم، بينما تعلو المصالح الضيقة على المبادئ، يظل الأردن واقفًا بشموخ، وفياً لقضاياه، صامدًا في وجه التحديات. قد يُنتقد، قد يُساء فهمه، لكنه لن يتخلى عن ثوابته، لن يتراجع عن مواقفه، ولن يدير ظهره لمن يحتاجه.
الأردن ليس مجرد دولة على خارطة العالم العربي، بل هو قلبٌ ينبض بالعطاء، وروحٌ تتنفس الكرامة، وإرادةٌ لا تعرف الانكسار. قد لا يكون الأغنى، قد لا يكون الأقوى، لكنه بلا شك، الأكثر إخلاصًا، والأكثر صدقًا، والأكثر شجاعة في زمن تغيرت فيه الموازين.
سيظل الأردن وفيًا لنفسه، لوطنه، لأمته. سيظل صامدًا، لا لأن أحدًا يسنده، بل لأنه وُلد ليحمل الآخرين، ليكون السند حين يتخلى الجميع، ولينير الطريق حين يعم الظلام. الأردن لم يكن يومًا طالبًا للعون، بل كان دائمًا هو العون ذاته.