الرأي الثقافي

البعد الرمزي في ((الأشجار ليست عمياء)) لشيماء هشام سعد

«الأشجار ليستْ عمياء» هي آخر ما نشرتْهُ الكاتبة والروائية المِصرية شيماء هشام سعد، صدرتْ عام 2024 عن دارِ «دوِّن.<br />وباعتبارِ الغلاف عتبةً مهمَّةً من عتباتِ العملِ الأدبي، ومِفتاحاً للولوجِ إلى عالمِ الرواية، ومَلمحاً قد يكشفُ للقارئ عن هُوية العمل، ويفتحُ له بابَ التساؤلات عن خفاياهُ ومكنوناتِه، حرصتْ الكاتبةُ على جعْلِهِ زاخراً بالرمزيات؛ ليتواءمَ مع توجُّهِ الرواية التي تعتنقُ المذهبَ الرمزي والإيحائية في تكوينِ ملامحِ القضيةِ التي تناقشُها؛ فنرى غصنَ الزيتون الذي يرمزُ للوطنِ الفلسطيني الفتيِّ، القادرِ على العطاءِ والازدهار بعدَ كلِّ حربٍ ونكبة، ومِفتاحَ الدار المشير إلى العودةِ الحتميَّةِ المُحقَّقَةِ التي يؤمنُ بها كلُّ فلسطيني، بل كلُّ عربيِّ ومسلم، والشعرَ الأسودَ الطويل الذي يُمثِّلُ شبابَ المرأةِ الفلسطينيةِ وقوتَها وقدرتها على إخراجِ أجيالٍ بعد أجيال ورثتْ تاريخَ الأرض وتربَّتْ على الموتِ دونَها، وغيرها من الرمزيات التي تجتمعُ إلى إطارٍ يعانقُه تطريزُ الثوبِ الفلسطيني.<br />أما العنوان فقد جعلتْه الكاتبةُ جامعاً لأهمِّ قضيتين تناولهما العمل، فالقارئ الذي يحاولُ بدايةً معرفةَ هُويةِ هذه الأشجار، يكتشفُ فيما بعد أنَّها تنتمي إلى وطنين؛ فالأولى هي أشجارُ قريةِ السنديانة في فلسطين التي تعودُ أصولُ البطلةِ إليها، والتي بقيتْ صامدة، ثائرة، متمسكة بالأرض، تأبى أنْ تُقتلعَ رَغم كلِّ ما رأتْه وتراه، والثانية هي أشجارُ السنديان في أميركا التي يتجاوزُ عمرُها 1700 عام، والتي باحتْ لـ «مارت» (وهو أحد السكان الأصليين للقارة الأمريكية) بالقصةِ كاملة.. هذه هي ذاكرة الأرض الشابّة التي لنَ يستطيعَ أحدٌ مَحوها.<br />اختارتْ الكاتبةُ الزمنَ الدرامي المنطقي لسردِ أحداثِ الرواية، فتبدأُ الأحداثَ بموتِ «حبَّهان» -بطلة سرديتها- التي على الرغم من موتها إلا أنَّها المحورُ الرئيس الذي تدورُ حوله الشخصياتُ والأحداث، وادِّعاءِ زوجها «عبود» عودتها إلى البيت بعد دفنها؛ لتمارسَ حياتَها بشكلٍ طبيعي، وقد استخدمت الكاتبة بين الحين والآخر تقنيةَ «الاسترجاع» لتوضيح حدثٍ ما، أو تفسير موقف، أو سدِّ ثغرةٍ عن حياة الشخصيات، مما يعمِّقُ معرفةَ القارئ بها، وتسيرُ الأحداثُ في وتيرةٍ متصاعدة في قالَبٍ دراميٍّ مُثير ذي حَبكةٍ قويةٍ مُحكمة، لتصلَ إلى ذُروتها المتمثلة في اختفاءِ «يوسف» (ابن حبَّهان من زوجها الأول) واتِّهامِ عبود بقتله، تزامناً مع تأزُّمِ حالته النفسية في ظلِّ وجود حبَّهان، ومحاولته بيعَ البيت والاحتيال من أجل ذلك، ثم تهبطُ الأحداثُ لتصلَ إلى الانفراجةِ والحلِّ المتمثِّل في معرفةِ الأبناءِ وجودَ أمِّهم فعلاً بعد موتِها، واكتشاف أنَّ عبود كان سبباً في هذا الموت بشكلٍ أو بآخر.<br />وفي حين أنَّ كثيراً من القصصِ تقومُ على فكرةِ عودة شبحِ الميِّتِ للانتقام، وأنَّها لم تعدْ فكرةً جديدة، إلا أنَّ ما يصنعُ غرائبيةَ الحكاية هنا، ويكسرُ أفقَ توقعِ القارئ أنَّ حبَّهان لم تكنْ شبحاً عاد لينتقم، بل لم تكنْ تعرفُ أنَّها ماتتْ أصلاً، وكانتْ تستغربُ تصرفاتِ زوجها عبود غير المبرَّرة بالنسبة لها.<br />وتتعددُ الأصواتُ داخل البناءِ السردي، وتنتقلُ دفةُ السردِ بين الشخصياتِ جميعها تقريباً بسلاسة وانسيابية، ودون تكلُّف، مما يخلقُ حالةً من الاختلاف الذي يَحولُ بين القارئِ والشعور بالملل، كما يفسحُ المجالَ أمامَه ليرى الأحداثَ من زوايا مختلفة، ويحلِّلُ المواقفَ، ويحاكمُ الأمورَ من وجهاتِ نظرٍ متعددة، فالكاتبة تمنحُ الشخصياتِ مِساحتَها دون أنْ تفرضَ عليها مواقفَها وأحكامها المسبقة.<br />ومما عملَ على إثراءِ البناءِ السردي للعمل، وأضفى على جو الحكاية طابعاً من العذوبةِ والحزنِ الشفيف، مذكراتُ «حبَّهان» التي وجدَها زوجُ ابنتها «إلياس»، هذه المذكرات التي تحملُ كثيراً من القوةِ المشبَّعةِ بالشجن، حكاية الوطن على لسانِ امرأةٍ فلسطينية جاوزت الستين، عاشت المجاعةَ واللجوءَ والحصار، وتشرَّبتْ بحكاياتِ البلاد، وأرضِ السنديانة التي لم ترَها قط، ويعرفُها بأصالةٍ عجيبة كلُّ عِرْقٍ فيها؛ لتخرجَ بطلةً استثنائية، مزيجاً من الحكمةِ الهادئةِ المُتروِّية، والثورةِ النَزِقةِ الشابّة، ومن الحنانِ الذي تحيكُهُ على مهل، وبصبرٍ طويل، قديم قِدَم الوطن، والغضبِ الذي لا تُستردُّ الأرضُ إلا به، فتحرصُ أنْ يظلَّ الوجعُ حاضراً في الذاكرةِ كيومِهِ الأول يشحذُ هذا الغضب: «لكنْ هل أردتُ أن أنسى؟ لا أعتقدُ هذا، يصبحُ التذكُّرُ طقساً تعبُّديّاً يمارسُه الموتور ليحتفظَ بغضبِه حيّاً وطازجاً». هذا المزيج الذي لا يمكنُ أنْ تجدَه في امرأةٍ سواها، وتفسحُ هذه المذكرات مجالاً للقارئ لمعرفةِ تفاصيل كثيرة لا يمكنُ معرفتها إلا بها، وتركيبِ كل القطعِ الناقصة في الصورةِ الأساسيةِ التي تجمعُ «حبَّهان» بزوجها «عبود».<br />الإيحائية تأسرُ العمل، وتحيلُ شخوصَه إلى رموزٍ ذاتِ معانٍ عميقة، فتنتقلُ حبَّهان مِن كونها تعبيراً عن المرأة الفلسطينية لتجسِّدَ القضيةَ بصورتها الكاملة، وتجعلَ أبناءَها أبناءَ هذه القضية على اختلافِ مواقفِهم وتوجُّهاتِهم ومذاهبِهم فيها، فهذا «يوسف» المناضل الذي يخوضُ معركتَهُ صامتاً دون ضجيج، ويستعدُّ لتضحيتِهِ الجديدة دون أنْ يشغلَهُ شعورُ البطولةِ أو زهوُ الانتصار.. وهذه «ضحى» في تمثيلها مَن غابوا معتقدين أنَّهم تركوها وراءَهم، وانعتقوا عن ذواتِهم القديمة، وعن كلِّ ما يعيدهم إليها، إلا أنَّهم مع أوَّلِ لحنٍ يرنُ في آذانهم معاتِباً تفيضُ ذاكرتُهم بحنينٍ عتيق، وغضبٍ هائج؛ ليكتشفوا أخيراً أنَّهم لا يمكن أنْ ينسلخوا عنها، وأنَّ في كلِّ واحد منهم ثائراً وعاشقا.. أما «أمينة» فتمثِّل مَن يرى أنْ ليس باليدِ حيلة، فيؤْثِرُ الصمتَ خوفاً من المواجهة، هذا الخوف المشروع مع كلِّ هذه الخسائرِ والمجازر، لكنَّ الكاتبةَ تؤمنُ أنَّ هذا الصمت لا بُدَّ أنْ يأتيَ يوم فتحرِّرُه صيحاتُ الآخرين؛ فقد انعتقتْ أمينة أخيراً من شعورها بالعجز، وثارتْ في وجهِ أبيها.. ومنهم مَن استسلم كإبراهيم في انتحاره، والذي ما بكتْ عليه أمُّه، بل ظلَّتْ تحدجُهُ بنظرةٍ لائمةٍ معاتِبة، وكلُّهم وعلى اختلاف طبائعهم ومواقفهم اجتمعوا بلا تفكير على عدم بيع بيتهم أبداً، هذا البيت الذي يمثِّلُ الوطنَ والهُوية.<br />أما «عبود» فيرمز إلى المحتلِ الحقيقي بشعوره بأحقيته في الأرض، ونزعته لإخراج أصحابها منها: «وصار أكثر عصبية وهو يأمرني بالذهاب مُحتجّاً بأني تركتُ البيت في ذلك اليوم، مجنون! هل سأذهب من البيت الذي اشتراه أبي من عَرقه قبل أنْ أعرفَه، هل سأذهب لأنني تعبتُ كما يتعبُ الناس فذهبت إلى المشفى»، وحالة الرعب بهواجسها وكوابيسها التي يتخبَّطُ بها في ظل وجود «حبَّهان» بعد أنْ رآها تُدفَنُ أمامَه إنَّما تمثِّلُ حجمَ الخوف لدى المحتل من صاحبِ الأرضِ الأصيل، الذي أخذَ مِن أرضِه أوصافَها، فهو لا يموتُ بمجردِ القتلِ والتهجير ومحاولات الإبادة المستمرة: «ذاكرة المكان متخمة بكِ، حتى وإنْ عبرتِ بوابة الموت».<br />أما «حنّة» اليهودية التي تزوجَها عبود، فتمثِّلُ الابنَ المدلل للمحتل الحقيقي، هذا الابن الذي طالبَ أباه أنْ يعطيَهُ بيتاً لا يملكُهُ أبوه أصلاً، يعيثُ فيه الفساد، ويشوِّهُ ملامحَه بحجة الحضارة: «حتى أرى في الغد كيف سأحوِّلُ هذا البيت إلى بيتٍ راقٍ يليقُ بي»، وسيعودُ في النهايةِ ليكتشفَ أنَّه لم يكنْ سوى أداةً للتغلُّبِ على صاحبِ الحق الأصيل: «هكذا إذن! أنت خائف منها ولهذا تزوجتَني، ليس حُبّاً فيَّ، وإنما رغبةً في التغلُّبِ عليها».<br />تجعلُ الكاتبةُ قضيةَ السكان الأصليين للقارة الأمريكية، والإشارة إليها إسقاطاً ذكيّاً على القضيةِ الفلسطينية، وانعكاساً لمعاناةِ الشعب الفلسطيني، فكلا الشعبين عانى الاحتلالَ والإبادةَ والتهجير، والعدوُّ في ذلك واحد، جاء بنفس الطريقةِ إلى كليهِما (ضعيفاً، متمسكِناً، لا يحملُ ثمنَ رغيفِ الخبز)، وتعاملوا معه بنفس الطريقة (فتفضَّلوا عليه بالمأوى والأمان) حتى قويَتْ شوكتُه، فاستشرسَ وعاث في الأرض الفساد، فلم يكتفِ بالانصهارِ في هذين الشعبين، بل عملَ على سلبِهما حقَّهما في الأرض: «لأنَّ هذا الرجل الأبيض، الشريد المنهك، كريه الرائحة، الذي حاولوا أنْ ينقلوا له عادة الاستحمام الحميدة، اكتشفَ بعدما استردَّ عافيتَه أنَّ هذه الأرض في حاجةٍ إلى حجارة، وأنَّه الوحيد القادر على منحها هذه الحضارة مشكوراً!».<br />وللكاتبةِ قدرةٌ على تطويعِ اللغة، واستنهاضِ جمالياتها دون تكلُّف، فهي لا تفتعلُ التشبيهات، ولا تحيكُ الاستعاراتِ والصورَ الفنيَّةَ جُزافاً هنا وهناك، بل تشعرُ أنَّ كلَّ كنايةٍ وصورة -على قلَّتِها داخل العمل- في مكانها المناسب، تقوي المعنى، وتحرِّرُ الخيال، وتتجلى براعتها في الحفاظِ على اتزانِ اللغة، فهي قوية لا تصلُ إلى الوعورةِ والتعقيد، ولا تنحدرُ سلاستُها إلى حدِّ الابتذال، تخضعُ لمفارقاتٍ تغني النص، وتصيِّرُه أكثر قوة وإيحاءً: «هل سيموت سعد الذي عصرَ زيتونَ البلادِ وحصدَ قمحَها جوعاً في نهايةِ الأمر»، «وتَخرجُ روحُ جدي بعدها دون أنْ تتركَ لنا المجاعة دموعاً في المآقي من أجلِ هذه اللحظة»، «كأنما ليتأكدَ من جدية القدر الذي فرقَهما في البلاد، وجمعَهما في المنفى».<br />عملَ الحوارُ على تعميقِ الشخصيات، والكشفِ عن تفاصيلها وأبعادها، فكان بين الحين والآخر يقطعُ أحاديةَ الصوتِ للساردِ الذي تؤولُ إليه دفةُ القيادة، وتجري الأحداثُ بين يديه، مما يحفزُ ذهنَ القارئ، ويعطي مجالاً للتنوعِ والاختلاف، وتتنامى أحاديثُ الذات وتساؤلاتها، وتتجلى صراعات الشخصيات الجُوانية؛ مما يقوي ويعمِّق الجانبَ النفسي في الرواية، أما الوصف فقد عمل على إثراءِ السرد وإغناء المشهد، فاتَّحدَ مع المكان لينقلَ فضاءاته إلى فضاءاتٍ مُتخيَّلة ذات رمزيةٍ عالية، ومع الزمان فبطَّأَ حركةَ الأحداث، وعطَّلَ السرد؛ لينسِجَ الصورَ والأخيلةَ على مهل في ذهن القارئ، فيشعرَ الأخير بنفسِهِ يكادُ يسمعُ أصواتَ الشخصيات، ويرى المنازلَ والشوارعَ وأشجارَ السنديان والصنوبر، ويشمُّ رائحةَ الزيتونِ والزعتر؛ فيصل بذلك كلِّه إلى متعةِ تذوُّقِ العمل الأدبي الناضج.<br />إنَّ الإيحاءَ الرزينَ في النص، الذي لا يصلُ إلى حدِّ اللبسِ والغموض، يُشعِرُ القارئَ بالانتصار في كلِّ مرة استطاعَ أنْ يفهَمَ فيها ما توارى خلفَ السطور؛ فاستخرجَ المعنى البعيدَ لجملة، أو وصلَ إلى رمزيةِ شخصيةٍ ما، وهذا ما لا يجده في الأعمال التي تناقشُ قضيةً (أيَّ قضية كانت) بمباشَرَةٍ تسلبُهُ هذا الحقَّ في استجلابِ المعاني على مُكث، فالمعاني المتوارية هنا وهناك هي تواصلٌ ذكي بين المؤلف والقارئ، تخلقُ نوعاً من الصداقةِ بينهما، تلك الصداقة التي تشترطُ أنْ يفهمَ أحدُهما الآخرَ دون شرحٍ أو تفسير.<br /><br /><br />