على مر العقود، أثبتت الدولة الصهيونية أنها تتقن فن المراوغة السياسية والعسكرية، مستخدمةً أدواتها الإعلامية والدبلوماسية لخداع العالم وتمرير أجنداتها العدوانية. أحدث مثال على هذا الأسلوب هو مماطلتها في الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، بينما تستمر في عدوانها الوحشي على قطاع غزة، الذي تحول إلى مسرح لأبشع الجرائم الإنسانية في العصر الحديث.
في الأسابيع الأخيرة، شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدًا عسكريًا خطيرًا أعاد إلى الأذهان مآسي الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006. الاستهدافات المتكررة لمناطق جنوب لبنان أدت إلى وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة، حيث استخدمت إسرائيل قوتها العسكرية الهائلة لإرهاب المدنيين وتدمير البنى التحتية.
لكن الأسلوب الصهيوني المعتاد كان واضحًا: تصعيد ثم مماطلة في التفاوض على وقف إطلاق النار. الهدف هنا ليس السلام، بل كسب الوقت لإيهام المجتمع الدولي بأن إسرائيل هي الطرف الذي يسعى لإنهاء النزاع، في حين أنها المتسبب الرئيسي في اندلاعه. المفاوضات التي جرت بشأن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية لم تكن إلا مسرحية لإعطاء إسرائيل الوقت الكافي لترتيب أوراقها وتحويل الأنظار عن الجرائم المستمرة التي ترتكبها في غزة.
بينما كانت الأنظار موجهة إلى المفاوضات المتعلقة بالجبهة اللبنانية، استمرت آلة الحرب الإسرائيلية في ارتكاب المجازر اليومية بحق الشعب الفلسطيني في غزة. الحصار الخانق الذي دام لسنوات، والمواجهات المتكررة، والعدوان الأخير على القطاع حول غزة إلى سجن كبير مليء بالأشلاء والدمار.
إسرائيل استغلت المفاوضات بشأن لبنان كغطاء لتمرير خططها العسكرية في غزة. ورغم الدعوات الدولية لوقف التصعيد، تجاهلت الدولة الصهيونية هذه الدعوات تمامًا، مستمرة في قصف المنازل والمستشفيات والمدارس دون تمييز، ما أدى إلى استشهاد آلاف المدنيين وتشريد آلاف آخرين.
اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تسعى إسرائيل للترويج لها على الجبهة اللبنانية ليست إلا وسيلة لتلميع صورتها أمام العالم، وهي صورة «الدولة التي تسعى إلى السلام». لكن، عند النظر بتمعن، نجد أن هذه الاتفاقيات ليست سوى جزءا من استراتيجية صهيونية طويلة الأمد لتحقيق أهدافها الاستعمارية في فلسطين ولبنان.
وقف إطلاق النار في لبنان ليس سوى خطوة مؤقتة تسعى إسرائيل من خلالها إلى تقليل الضغط الدولي، بينما تواصل عدوانها في غزة دون أي رادع. بل إنها تستغل هذه الاتفاقيات للحصول على مزيد من الدعم العسكري والسياسي من حلفائها الغربيين، مدعيةً أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة التي تواجه «تهديدات إرهابية».
إحدى أبرز مظاهر الخبث الصهيوني هو التناقض الواضح في تعاملها مع الجبهتين اللبنانية والفلسطينية. ففي الوقت الذي تُظهر فيه استعدادًا للتفاوض في لبنان، تتبنى في غزة سياسة الأرض المحروقة، دون أي اعتبار للمدنيين أو القانون الدولي.
هذا التناقض يكشف عن نوايا إسرائيل الحقيقية. فهي تدرك أن المجتمع الدولي قد يتحرك لإدانة عدوانها إذا استمر على الجبهتين في الوقت ذاته. لذلك، تسعى لخلق توازن مزيف من خلال إبرام اتفاقيات في لبنان تشتت الأنظار عن الجرائم التي ترتكبها في غزة.
لا يمكن الحديث عن العدوان الإسرائيلي دون الإشارة إلى الكارثة الإنسانية التي خلفها. في لبنان، أدت الهجمات إلى نزوح آلاف المدنيين من القرى الحدودية، وتركوا خلفهم منازلهم وأراضيهم ليعيشوا في ظروف قاسية. أما في غزة، فالوضع أكثر مأساوية. أحياء بأكملها سويت بالأرض، والبنية التحتية أصبحت شبه معدومة.
القطاع الصحي في غزة، الذي يعاني أصلاً من الحصار، بات عاجزًا تمامًا عن التعامل مع أعداد الجرحى والشهداء. المستشفيات دُمرت، والأدوية نفدت، والطواقم الطبية تعمل في ظروف غير إنسانية.
اللافت في هذا السياق هو الصمت الدولي المريب. رغم توالي التقارير التي توثق الجرائم الإسرائيلية، ورغم المناشدات المستمرة من منظمات حقوق الإنسان، لم يتحرك المجتمع الدولي لردع إسرائيل. على العكس، هناك دول كبرى تقدم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، مما يجعلها شريكًا غير مباشر في الجرائم التي تُرتكب بحق شعوب المنطقة.
هذا الصمت يعزز الشعور بالازدواجية في تطبيق القانون الدولي، حيث تُحاسب دول على انتهاكات أقل بكثير مما ترتكبه إسرائيل، بينما تُترك الأخيرة تفلت من العقاب تحت ذريعة «حق الدفاع عن النفس».
إن المماطلة الصهيونية في الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان، واستمرارها في العدوان على غزة، ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: استراتيجية تقوم على الخداع والمراوغة لتحقيق أهداف استعمارية طويلة الأمد.
ما يحدث اليوم في غزة ولبنان يفرض علينا أن نكون يقظين وحازمين في مواجهة هذه الاستراتيجية، وأن نعمل بكل الوسائل الممكنة لفضح هذا الخبث الصهيوني، مع التأكيد على حقوق الشعوب في العيش بكرامة وأمان بعيدًا عن الاحتلال والعدوان.