الدولة الأردنية القوية هي صمام أمان الوطن والمواطن، وتمر الأوطان بمحطات تُختبر فيها قوة أركانها وصمودها في وجه التحديات، والأردن منذ تأسيسه كان نموذجًا لدولة تحترم القانون وتحمي مواطنيها وتبسط سيادة الأمن على كافة أرجاء البلاد، إلا أن التحديات الأمنية المتزايدة في عالم اليوم، خصوصًا تلك الناتجة عن الجرائم الفردية المنظمة أو الحوادث الطارئة، تتطلب منا الوقوف بحزم لحماية الوطن وتعزيز أركانه الأمنية.
ما جرى يوم أمس في منطقة الرابية بالقرب من السفارة الإسرائيلية حيث أقدم أحد أصحاب السوابق على إطلاق النار على رجال الأمن العام متسببًا في إصابة ثلاثة منهم قبل أن يلقى مصرعه، هو حادث يحمل الكثير من الدروس والعبر، إنه تذكير صارخ بأن أمن الوطن ليس مسألة يمكن التهاون بها وأن قوة الدولة هي الضامن الأساسي لحياة كريمة وآمنة لمواطنيها.
الدولة القوية ليست رفاهية بل هي ضرورة وجودية لكل مجتمع يسعى إلى الاستقرار والنمو. الدولة القوية تعني أجهزة أمنية قادرة على حماية الحدود ومكافحة الجريمة وتعني قضاءً نزيهًا يحقق العدالة وتعني حكومة تعمل لصالح الشعب وتسعى إلى تحسين معيشته.
لطالما كانت الأجهزة الأمنية في الأردن الركيزة الأساسية التي يستند إليها الوطن، ومع ذلك فإن مثل هذه الحوادث تسلط الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه الدولة في الحفاظ على هيبة القانون وضمان سلامة المواطنين ورجال الأمن الذين يضحون بحياتهم من أجل حماية المجتمع.
الخطر الداخلي المتمثل في أصحاب السوابق والجريمة المنظمة لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية. الجرائم الفردية التي يرتكبها أصحاب السوابق قد تبدو صغيرة مقارنة بالتحديات الأمنية الكبرى لكنها تحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي، شخص واحد بحوزته سلاح ونيّة عدائية يستطيع تهديد أرواح رجال الأمن وتعريض المجتمع للخطر.
التعامل مع أصحاب السوابق يتطلب نظامًا صارمًا، سواء من حيث مراقبتهم أو إعادة تأهيلهم أو اتخاذ إجراءات رادعة أكثر صرامة لضمان عدم عودتهم للإضرار بالمجتمع.
الدروس المستفادة من حادثة الرابية كثيرة وتعكس أهمية تعزيز جاهزية الأجهزة الأمنية التي أظهرت سرعة الرد والقدرة على احتواء الموقف مما يثبت كفاءتها، إلا أن الحاجة إلى التطوير المستمر في التدريب والتجهيز لضمان أعلى درجات الجاهزية تبقى أمرًا ملحًا.
كما تتطلب الجرائم التي يرتكبها أصحاب السوابق إعادة النظر في التشريعات الحالية بحيث تكون العقوبات أكثر ردعًا، مع فرض رقابة صارمة على الأشخاص الذين لديهم تاريخ إجرامي للحيلولة دون تشكيلهم تهديدًا دائمًا للمجتمع.
دور المجتمع في دعم الأمن لا يقل أهمية. الأمن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها بل هو واجب وطني يقع على عاتق كل مواطن. يجب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الإبلاغ عن أي نشاط مريب ليكون المواطن شريكًا في الحفاظ على الأمن.
الموقع الجيوسياسي الحساس للأردن يزيد من تعقيد التحديات الأمنية. وقوع الحادث بالقرب من السفارة الإسرائيلية يضيف بُعدًا حساسًا للأحداث مما يجعل الأمن قضية ذات أولوية قصوى فاختلال الأمن يمكن أن يُستغل لإضعاف موقف الدولة أو التشكيك في قدرتها على حماية مصالحها.
على المجتمع الأردني أن يدرك أن الحفاظ على أمن الوطن واجب وطني وليس مجرد مسؤولية حكومية. عندما يستهين البعض بخطورة الجرائم الصغيرة فإنهم يغفلون أنها قد تكون الشرارة التي تؤدي إلى أزمات أكبر. الأردن وطن الجميع وأمنه مسؤولية مشتركة. اليوم ونحن نرى التضحيات التي يقدمها رجال الأمن في سبيل حماية المجتمع تحتم علينا أن نكون أكثر وعيًا بقيمة الأمن والاستقرار.
نداء إلى الحكومة وصناع القرار لتعزيز التشريعات الأمنية بحيث تكون أكثر صرامة مع الجرائم التي تستهدف الأمن العام وتقديم الدعم الكامل للأجهزة الأمنية من خلال توفير أفضل المعدات والتدريبات إضافة إلى إطلاق برامج فعالة لإعادة تأهيل أصحاب السوابق وضمان عدم عودتهم للجريمة. هذه الفئة قد يتم استغلالها من قبل جهات خارجية تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد. هؤلاء الأفراد غالبًا ما يكونون عرضة للاستدراج عبر المال أو الوعود المضللة، مما يجعلهم أدوات في يد أطراف لا ترغب في رؤية استقرار الأردن. لذلك، يجب أن يكون هناك برنامج شامل لإعادة تأهيل هذه الفئة لضمان عدم عودتهم إلى الإجرام، مع اتخاذ تدابير مشددة لمراقبتهم ومنعهم من تهديد الأمن الداخلي.
إن هذه الفئة المستهدفة من الأجندات الخارجية يجب أن تكون تحت مراقبة مشددة، إذ أن أي إهمال في التعامل معهم قد يفتح الباب أمام تهديدات أمنية غير مرئية تستهدف إضعاف هيبة الدولة.
الأمن هو العمود الفقري للدولة وبدونه لا يمكن تحقيق تنمية أو استقرار، الحادثة التي وقعت اليوم في الرابية يجب أن تكون تذكيرًا لكل مواطن ومسؤول بأهمية التمسك بأمن الأردن وعدم التهاون في الحفاظ عليه الدولة الأردنية القوية ليست خيارًا بل هي ضرورة وكل تهاون في الحفاظ على أمن الوطن هو خيانة للتضحيات التي تُبذل يوميًا، علينا جميعًا أن نتحد حكومة وشعبًا لضمان أن يبقى الأردن وطنًا آمنًا يحمي أبناءه ويصون كرامتهم.