محمد ناجي عمايرة.. محطات مضيئة وسيرة غنية

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:03 5-11-2024
No Image

«أنتمي إلى جيل وُلِدَ من رحم المعاناة والحرية ماء الحياة»، هكذا يعرّف الشاعر الصديق العقيق محمد ناجي عمايرة (أبو لؤي) أستاذ علم الاجتماع السياسيّ على نفسه وعلى أبناء جيله، وهكذا يصف الحرية غاية غايات الأرض والتوق الإنسانيّ الذي لا ينتهي بالتقادُم.

ابن السلط البار.. له من أبو علندا نصيب. ومن عمّان كلها كذلك.. وهي جميعها بلقاء حتى أعالي الندى واليقين.. أما وادي السير فكان تأثره الشعريّ الثقافيّ به إجباريًّا، حيث كتب في إعداده الثاني متغزّلًا: «لقد مرّت مساء الأمس مرّت ترتدي الأخضر.. جميل في مفاتنهِ ونظرة عينها تسحر».

ابن المد القومي حين كان على أشدّه.. علاقته الخاصة مع أمّه وجدّته الزعبية لأمّه تمخّضت عن ثلاث قصائد بثلاث جوائز.

وهو في الصف الثاني الإعدادي نشر لأوّل مرّة في مجلة «هدي الإسلام» التي كان يرأس تحريرها آنذاك الشيخ العلامة عز الدين الخطيب التميمي قصيدة عن فلسطين. يعشق اللغة العربية: «نشأت مع الفصحى صغيرًا.. ومع شعرائها خضتُ العُبابا». ينتمي إلى زمن الحروف وعبق الورق.

وهنا لا بد، ربما، من إيراد قصة حدثت معه وهو في الصف الثاني الثانوي، عندما شارك بمسابقة كانت تنظمها مدارس الأقصى، ومديرها آنذاك العلامة القامة يوسف العظم، وكان العظم رحمه الله يقابل المتسابقين بنفسه، وحين وقعت بين يديه قصيدة حبيبنا، امتلأ دهشة وإعجابًا وحيرة بين النص وعمر صاحبه، ليسأله إن كان منه أم من منقوله، ليأتي الجواب المفعم بالرجاحة والنضوج المبكّر من صديقنا وحبيبنا، وبما معناه أنه ما كان ليشارك في هذا المقام ومن باب الاحترام بنص ليس له، فما كان من العظم إلا أن طلب منه تغيير قافية القصيدة، وبخمس دقائق? أو أقل، كان شاعرنا المبدع قد فعل ذلك ناظمًا 25 بيتًا جديدًا على البحر نفسه والرويّ كذلك، ولكن بقافية جديدة، فكانت الجائزة الأولى لِعيون الأم وعيون أمّهاتنا جميعهن.

في قصيدته الثريّة «خبزٌ وماء» يصبّح على فجر الفاكهة.. يأخذ نفسًا عميقًا من عطر الورد.. يعزف الألحان بناي العطاء.. صوته لسان الصدق.. وجميعنا بانتظار غودو. جميعنا نحلم أن نمتطي فرس الضياء.. أن تلاقينا بسمةٌ من جدول ما، ماؤه عبق اشتهاء.. هي أغنية الحصاد الطالعة من خبزٍ وماء.

في رثائه لصديقه علي الفزاع يبوح قائلًا:

«حينما أسبل جفنيه للنوم

وغاب

كان نسرًا

يرتقي متن السحاب

عالي الهمّة يعلو ثم يعلو

لم يكن يخشى تباريح الغياب»

إلى أن يقول:

«آهٍ تلك الذكريات

والليالي الممطرات

والهوى عذْبٌ كما الصفو الزُلال

وتعاريج الخيال

كلها تزهو بأحلام الرجال».

ولأن المعنى يوصلنا إلى معان متماهية معه، فإن الجيل الذي يمثّله شاعرنا وصديقنا لا يقتصر على الفزاع لروحه الرحمة والسلام، ففيه، قبله قليلًا، وبعده قليلًا، شعراء وكتّاب قصة، ونقّاد، وإعلاميون، ورجال دولة، ومبدعون كثيرون: خالد الكركي، مؤنس الرزاز، محمود فضيل التل، عبد الله رضوان، إبراهيم العجلوني، وليد سيف، حيدر محمود، راشد عيسى، مأمون فريز جرّار، جهاد الجيوسي، توجان فيصل، سهير سلطي التل، فايز محمود، سليمان الأزرعي، محمد سمحان، عبد الفتاح عمرو، عبد الرزاق الحاج عبد الرحيم حسين، عبد الله الشحّام، عز الدين المنا?رة، غازي الجمل، كمال رشيد، مازن شديد، محمد الظاهر، محمد ضمرة، محمود الشلبي، مقبل المومني، محمد مقدادي، مهنا أبو غنيمة، نزار عوني اللبدي، يوسف مقدادي وكثيرون غيرهم. رحم الله من قضى منهم وأطال بعمر أحيائهم. بعضهم يعرفهم حق المعرفة وأنشأ من مجموعة منهم «رابطة أصدقاء الكناري» الرومانسية الإبداعية عندما كانت الجامعة الأم تحتشد بالقامات، وبعضهم ربما لم يتح لأبي لؤي التعرّف عليهم، أو الالتقاء بهم. وعلى سيرة القامات، وعلى سيرة الجامعة الأم، فقد أتيح لمبدعنا أن يدرس على أيدي قامات عربية أكاديمية مشهود لها: المصريان?شوقي ضيف ومحمد طلعت عيسى، والفلسطيني ربحي كمال، والأردنيون: ناصر الدين الأسد، الياغيان هاشم وعبد الرحمن، عبد الكريم خليفة، نهاد الموسى، وعبد الرحمن عدس وقائمة تطول.

قوميٌّ بالفطرة.. عروبيٌّ حتى النخاع.. يرى نفسه جزءًا لا يتجزّأ من النهضة العربية الكبرى.. فهو ربيبها وأمينها قبل أن يكون أمين عام وزارة الثقافة الأردنية.. ترعرع في أوج صعود القومية والوجدان العربي الجامع.. في وجدانه عُمان.. تمامًا كما في وجدانه مصر والعراق وفلسطين وسورية ولبنان.. وكل بلاد العُرْب أوطاني من نجد إلى يمن إلى تطوان.. عروبيّ الهوى.. ويسعى أن يكون دائمًا مع أمّته.

من زاوية في صحيفة «الرأي» سطعت الحكاية جميعها.. بدأت علاقته مع الصحيفة الأولى منذ بداياتها قبل خمسة عقود ونيّفٍ من الزمان.. ومنذ بدايات صحيفة «عُمان» العُمانية في العام 1972، بدأت مسيرته التأسيسية لعدد من المشاريع العربية الرائدة.

تثبيت الحق الفلسطيني هو عنوانٌ جوهريٌّ تأسيسيٌّ يكرّس جهده له.

عناوين ومقالات وجهد ونقد وإنجازات.. أما المسرح فهو المكان الذي يجد نفسه فيه.. علاقته معه وطيدة، وله معه ذكريات جميلة قارئًا ومشاهدًا.. وهو يرى فيه فعل حرية أكيد وأحد أهم عوامل تشكيل الهوية.

من عناوين مقالاته في جريدة $: «القدس وفلسطين أولاً، وقبل كل شيء»، «عن الهوية بين الخصوصية والعالمية»، «عبد السلام المجالي كما عرفناه»، «النصر يليق بغزّة»، «شيرين أبو عاقلة شهيدة الحق والحرية»، «لنعزّز صمود غزة وندعم المقاومة»، «نحو مشروع وطني متكامل للإصلاح الشامل»، «تحركات عربية نحو تضامن عربي حقيقي»، «في معنى الانتماء»، «أغنيات حب للوطن الجميل»، «كنّا معًا وسنبقى معًا من أجل القدس وفلسطين»، «الصحف الورقية والأزمة التي تواجهها.. إلى متى؟!»، «هجمة إعلامية صهيونية خبيثة على الموقف الأردني»، «غضبة الملك ومواقف الأردن الثابته تجاه فلسطي?»، «الصحافة والإعلام تلازم الحرية والمسؤولية»، «وطن الكبار سينتصر»، «نحو مشروع وطني جامع مانع»، «لبنان يا وجعي ويا وجع الأمة!»، «نحو مؤتمر وطني لتطوير التعليم العالي»، «محمود الكايد.. العميد والعمدة والمعلم» وعناوين ومقالات أخرى كثيرة. على سيرة (أبو عزمي) لروحه الرحمة والسلام، فإن أبا لؤي يذكره دائمًا بالخير، وهما كانا، أطال الله في عمر مبدعنا، من أعمدة تأسيس «الرأي»، فردا مساحة للرأي الرسميّ، واحتضنا الجسم الصحفيّ المحليّ.

في رثائه المناضل القومي بهجت أبو غربية يصفه بأنه «فتى القدس» ويضيف في وصفه قائلًا إنه «مقدسيّ النشأة والتعليم.. خليليّ الأصل.. فلسطينيّ الجذور.. عربيّ الهوية والانتماء.. قوميّ الفكر بلا تردد ولا ادعاء ولا قولبة».

أبو لؤي غرس في وجدان ابنه المحامي لؤي مبادئ الانتماء الراسخة والصدح في قول الحق والنبش عن الحقيقة وكرّس في أعماقه مقولة ملكية سامية «حرية سقفها السماء».

وهو يرى ويؤكد أن الأردن يتصدّر المشهد السياسي العربي في الدفاع عن ثوابت الأمّة ومقاومة محاولات طمس هوية الأرض والإنسان في فلسطين.

في شعره عبق المكان.. عبير الأرض الخصبة.. وشم المُزارِع الذي كانه أبوه.. في حروفه أوجاع الغربة.. سناسل البيوت الريفية المحاطة بالكروم.. أنين الإيغال في الغياب.. بوْحُ الحَنايا ونوْح المَنايا:

«موغٌل في الغياب

ممعٌن في السفْر

طاعٌن في الذهاب

بين كٍر وفّر

سادرٌ في العذاب

يا ليالي النّوى

هدّه الاكتئاب

وَبَراه الجَوى

أيها المدلجُ

فـي زوايا السراب

أينا المخرَجُ

من حصارِالذئاب؟

كلنا يلهَجُ

و«الهوا» ما استجاب!

هو ذا واقفُ

بين ريحٍ وروحْ

والرّدى طائفٌ

والمنايا تنوحْ

أيها النازِفُ

والحنايا جروحْ».

* شهادة ابداعية قدمت في حفل تكريم الشاعر الدكتور محمد ناجي عمايرة الذي أقامه منتدى أسود البلقاء مؤخرًا بالتعاون مع مديرية ثقافة البلقاء.

كاتب وروائي

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }