تأتي الضربة الإسرائيلية الأخيرة ضمن سلسلة من المسرحيات الهزلية التي أصبحت سماتها واضحة للعيان؛ فهي تكرار لنمط توافقي وتنسيقي بين إسرائيل وإيران، بما يعكس سيناريو رديء الإخراج تقوده الولايات المتحدة.
المشهد ذاته يتكرر مع بعض التنويعات الشكلية، فالطرفان–إسرائيل وإيران - يتبادلان الردود كما لو كانا يقرآن النص نفسه، تحت إشراف أميركي يبتغي الحفاظ على الوضع الراهن وتحقيق مكاسب سياسية آنية، دون أدنى اهتمام بجوهر الصراع أو بمعاناة شعوب المنطقة.
جاء الرد الإسرائيلي هذه المرة على شكل ثلاث موجات متتالية من الطائرات، في خطوة أرادت بها إسرائيل أن تظهر قوتها الجوية وسيطرتها، وبعث رسالة لإيران مفادها أن اليد الإسرائيلية لا تزال الأطول. ورغم هذا الاستعراض، فليس من المتوقع أن يكون الرد الإيراني أكثر من تصريحات جوفاء، إذ أن طهران تدرك تماماً أن أي تصعيد من جانبها قد يسبب ضرراً لمصالحها السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية.
إن إيران، التي تتوجس من عودة دونالد ترامب وما قد يعنيه من تشديد للعقوبات واستهداف مباشر لمشروعها النووي، تفضل التهدئة في هذه المرحلة على حساب إظهار ضعف مواقفها.
الطرفان–كما جرت العادة–سيخرجان على الملأ ليعلنا النصر، وستنتهي المواجهة «المباشرة» دون أي تغيير حقيقي على الأرض. ولكن، أين هذا من الأحداث الجارية في جنوب لبنان وغزة؟ هل ستشعر إسرائيل بأريحية للانفراد بغزة وجنوب لبنان؟ وهل ستزيد إيران من دعمها لحزب الله رداً على التصعيد الإسرائيلي؟ هذه الأسئلة التي يتجنب الإعلام الغربي التطرق إليها، لكنها تبقى معلقة وتحتاج إلى إجابات جادة.
في واشنطن، يبدو البيت الأبيض الآن في حالة بحث محموم عن «إنجاز» ولو صغير في غزة، يمكن تسويقه كنجاح سريع للإدارة قبل الانتخابات القادمة، على أمل أن يكون له أثر إيجابي في التصويت لصالح الديمقراطيين. إلا أن تحقيق هذا الهدف يبدو بعيد المنال؛ فاستهداف شخصية مثل يحيى السنوار لا يمكن أن يؤدي إلى اتفاق سريع ومستدام في غزة، بل قد يعزز الصراعات ويزيد من تعقيد المشهد.
وهنا، يظهر بجلاء سؤال قديم متجدد حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل: من يقود من؟ هل أميركا توجه إسرائيل أم أن الأمر بالعكس؟ كنت من المؤيدين لرأي أن أميركا هي من تقود المشهد في حالة التنافر بين الطرفين، وبما يضمن مصالحها الاستراتيجية، إلا أن المصالح المشتركة بين الطرفين تسمح لإسرائيل بمساحة محدودة للتمرد ضمن نطاق لا يمس تلك المصالح الأميركية.
وفي ظل غياب أي رؤية دولية جادة لردع إسرائيل أو لإيقاف هذا المسلسل المسرحي المتكرر، يظل الوضع الإقليمي على حاله؛ حيث تدفع الشعوب ثمن هذا التنسيق الوهمي وهذا السيناريو الرديء، بين من يدعي العدوان ومن يدعي الانتصار.