لا شك أن الأردن يقف دائمًا في طليعة الدول العربية التي تندد وتستنكر جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة، حيث يتعرض المدنيون العزل للقصف العشوائي والتدمير المنهجي للبنية التحتية. ولكن لا تتوقف جرائم الاحتلال عند حدود غزة، بل تمتد إلى لبنان وسوريا وحتى العراق، في سلسلة من الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، التي لا يجد المجتمع الدولي لها ردًا حاسمًا. بالنسبة للأردنيين، هذا الواقع يولد غضبًا شديدًا في الصدور.
الشعب الأردني بمختلف أطيافه يشعر بالاستياء الشديد إزاء هذه الجرائم. ومع أن هذا الغضب مشترك مع الشعوب العربية والإسلامية، فإن خصوصية الأردن في هذا السياق تأتي من علاقته المباشرة بالقضية الفلسطينية، نظرًا للقرب الجغرافي، التاريخي والديموغرافي. فتعداد الفلسطينيين في الأردن كبير، ما يضع الأردن في موقع حساس على المستويين السياسي والاجتماعي.
على الرغم من ذلك، يجب أن نعترف بأن الأولوية القصوى للدولة الأردنية هي الأمن الداخلي. لا يمكن للأردن أن يغفل عن التهديدات التي تحيط به في منطقة مضطربة. فبينما نرفع شعار التضامن مع الشعب الفلسطيني ونتمنى أن نكون في الصفوف الأولى للدفاع عن القدس والأراضي المقدسة، لا يمكننا إهمال ضرورة الحفاظ على استقرار الأردن وأمنه. هذا الموقف لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن دعم القضية الفلسطينية أو عن الوقوف بجانب الشعوب العربية في مواجهة الظلم والطغيان. فالأردن كان ولا يزال داعمًا للقضية الفلسطينية، سواء على الصعيد ال?ياسي، من خلال الدعم الدبلوماسي، أو على الصعيد الإنساني عبر تقديم المساعدات المستمرة للفلسطينيين. ومنذ أن زرع الاحتلال الإسرائيلي هذا السرطان الخبيث في الجسم العربي، تبنت السياسة الأردنية موقفًا واضحًا وثابتًا في مواجهة هذا الظلم.
ما يزيد من تعقيد الوضع هو الموقف الغربي، حيث تتعاطف الحكومات الغربية بشكل شبه مطلق مع إسرائيل تحت ذرائع مختلفة مثل «الدفاع عن النفس» أو «مكافحة الإرهاب». هذه التبريرات لم تعد مقنعة للكثيرين، خصوصًا في العالم العربي، حيث يرون أن هذه التصريحات هي مجرد محاولة لتبرير الاحتلال والقمع الإسرائيلي.
في هذا السياق، تأتي عملية «عفرت»، أو ما سميت لاحقًا بعملية البحر الميت، التي نفذها اثنان من الشباب الأردنيين. بغض النظر عن نتائج هذه العملية، إلا أنها تعكس حالة الإحباط والقهر التي يعيشها الشباب الأردني والعربي بشكل عام. هؤلاء الشباب يشعرون بالعجز أمام الجرائم المستمرة التي ترتكب ضد المدنيين في فلسطين، ويتساءلون عن جدوى الانتظار والصبر أمام هذا الظلم المتواصل. رد فعل حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني على هذه العملية كان ملفتًا، حيث أصدر الحزب بيانًا يشيد بالشهداء وبالعملية. لكن سرعان ما تراجع الحزب عن موقفه ?أعاد تعديل البيان. هذا التسرع يعكس حالة الارتباك التي قد تعتري بعض الحركات السياسية في مواقفها تجاه هذه الأحداث، حيث تكون الرغبة في التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين أكبر من التفكير العقلاني في عواقب مثل هذه العمليات على الأمن الداخلي للأردن.
إن الحفاظ على استقرار الأردن لا يعني التخلي عن دوره المحوري في دعم الفلسطينيين أو التخاذل عن الموقف المبدئي الراسخ تجاه القضية الفلسطينية. إنما هو تذكير بأن الأردن دولة ذات سيادة ولها أولوياتها الوطنية التي يجب أن توازن بين الدعم للقضايا العربية والحفاظ على أمنها الداخلي. إن الأحداث التي تشهدها المنطقة اليوم، من غزة إلى الضفة الغربية ومن لبنان إلى سوريا، تدفع الأردن إلى موقع صعب، حيث يتعين عليه أن يلعب دورًا مزدوجًا. فمن جهة، هو في موقع الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ومن جهة أخرى يجب عليه حماية حدوده وضمان عد? انجراره إلى مواجهات قد تؤدي إلى زعزعة استقراره. في ضوء ذلك، يبدو أن الأردن يواجه معادلة معقدة. من الضروري أن نكون صادقين مع أنفسنا: لا يمكن للأردن أن ينجر إلى نزاعات خارجية دون أن يدفع ثمنًا باهظًا على صعيد الأمن والاستقرار. وفي الوقت ذاته، لا يمكن أن يبقى الأردن مكتوف الأيدي أمام ما يحدث في فلسطين، وهو الذي طالما لعب دورًا مركزيًا في دعم القضية الفلسطينية، سياسيًا وإنسانيًا. يجب على الشباب الأردني أن يفهموا أن دعم القضية الفلسطينية لا يكون بالضرورة من خلال الانخراط في أعمال قد تؤثر على الأمن الداخلي. يمك? للأردن أن يواصل دوره الفعال من خلال القنوات الدبلوماسية والسياسية، وتقديم الدعم الإنساني والإغاثي للشعب الفلسطيني، دون أن يتورط في نزاعات مسلحة.
في النهاية، يتعين على الأردن أن يتبنى استراتيجية حكيمة، توازن بين الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية والحفاظ على استقراره الداخلي. فالرهان على القوة العسكرية أو المواجهة المباشرة قد يكون مكلفًا جدًا، بينما الدبلوماسية والضغط السياسي قد يثمران عن نتائج أفضل على المدى الطويل.
لقد أثبت الأردن عبر تاريخه أنه قادر على لعب دور الوسيط الفعال في النزاعات الإقليمية، وقدم نموذجًا للدولة التي تتعامل بحكمة ومسؤولية مع التحديات المحيطة بها. ومع استمرار التوترات في المنطقة، يجب على الأردن أن يبقى متيقظًا وواعيًا بموقعه ودوره، وأن يستمر في دعم الفلسطينيين بطريقة تحمي مصالحه الوطنية وتعزز استقراره الداخلي.