بداية، هناك صعوبة بتلخيص أو تفقيط الأسباب لأنها تتوالد وتتداخل على مدار الساعة من رحم الأحداث والأهداف حيث سأبحر في غديرها على أنغام خريرها وحفيف أشجارها، استطعت خلاله الاجتهاد بطرحها من خلال ملاحظات تدون عبر وسائل التواصل الاجتماعي كنماذج بمختلف مسمياتها أو نتائج ألمسها وأبدأ بانحسار الدور الوطني للذين يجلسون على مقاعد الراحة بعد انتهاء دورهم في السلطة سواء ذلك الدور بصورته النهائية أو المرحلية، فإما صمت لا يليق بمكانتهم ويعكس عدم الحرص على الوطن أو استلال سيوف القذف لمسيرة الغير بصورة سلبية مؤسفة تشكك بقدرات الآخرين وتنتقد خطواتهم برسائل وعبارات أو نصائح مغلفة بثوب رقيق من الغيرة بديلا عن اسداء نصيحة خالصة تساعد بتكملة المشوار، ويمثل ذلك درجة من الأنانية تفتح المجال للحذر من دوافعها، وقد تكون إحدى صور الحرص المزيفة هذه التمهيد للعودة لموقع المسؤولية أو الدخول بمجال التوريث السياسي بدافع غريزة الحرص على مستقبل الأبناء ويفسر ذلك بأنه رسالة واضحة لأصحاب الطموح من خارج هذه الفئة لتجميد طموحاتهم وتحجيمها أو قطع وتر الأمل وهي الواقع المؤلم الذي تجسده لتطلق عبارات التوصيف بشكلها الكوميدي أو المحزن، فترجمة ذلك بالشكل الذي يخطط له هؤلاء يؤلم وينذر بانحسار الطموح للمجتهدين أصحاب الفكر المتطور ويساهم بتوالد الحقد بأثره السلبي على تطور المجتمع وتقدمه، فالحرمان شكل من أشكال القهر وقنبلة موقوتة لا يمكن التنبؤ بموعد انفجارها أو الآثار المدمرة التي ستسببها، وبالرجوع لأداء هؤلاء أثناء توليهم منصب المسؤولية نجد أن عطاءهم بأدنى درجاته وانجازاتهم لم تتعدَ حدود خطابات اكتشفنا بذكائنا وحسنا أنها مفرقعات كلامية، صفقنا لها بحسن نيّة أو مجاملة أو مبادرة أمل بالتغيير بالرغم من معرفتنا بقدراتهم وأسباب توليهم المناصب..
ولعل مراجعة أمينة لتاريخ تلك النخبة لنجد أنها صاحبة ومؤسسسة ولادة فكرة وجود مدرسة التوريث السياسي والوظيفي ومساق استخدام الأمر لفرض مدرسة سياسية بإعادة جديدة بعد فترة حمل متعبة ومعقدة فتقدم التسهيلات ضمن مساقات زمنية تخدم ترجمة أهدافها وأفكارها بحصرية الانتماء، وهي تطالب أو تطبق على الواقع بحصر الوظائف العليا والقيادية بفئة اجتماعية ضيقة الأنساب، فترانا نلاحظ الاجتهاد المفرط بوعود خلال مواسم ومناسبات الشواغر كما هو الحال عند تشكيل الحكومات أو وجود شواغر لوظيفة قيادية، وهذه الفئة القيادية تعتقد أنها المنقذ في كل مجال وتحصر عضويتها بأضيق صورها، لأنها تؤمن أن طريق تحقيق الطموح وترجمة الأفكار تحتاج لتغليب المصالح الذاتية على المصلحة العامة بالرغم أن لغة الخطاب اليوم اختلفت بتفسير مفرداتها ولم تعد تنطلي كالسابق عندما كانت تدغدغ المشاعر وتحاكي سراب الأمنيات، بل تكتفي أحيانا بممارسة شكل من أشكال الإيذاء المتمثل بتوكيل البعض لخوظ حروبها في عصر منفتح متقدم نفى من قاموسه حصرية الحصول على المعلومة الصحيحة لفئة معينة بل وأصبح مجال الاعلام والحصول على المعلومة الدقيقة متوفرا عبر عصر التكنولوجيا بزمن قياسي وجهد ضئيل، بالرغم من القائمة الطويلة لسلبيات هذه الوسائل كمساعد أساسي باغتيال الشخصيات ونشر الاشاعات الكاذبة والمغرضة والتسارع بنقل المعلومات وتضخيم أحداثها حسب درجة الفهم والهدف لمصدرها، وكل تلك الممارسات تحت عنوان حرية التعبير التي إنحرفت عن أبجدياتها الأخلاقية وقفزت عن حواجز الصدق والالتزام البناء، بتسابق محموم بعيدا عن المهنية على مستوى الفرد صاحب الحساب أو أصحاب بعض المواقع الالكترونية التي ارتضى نفر من مالكيها لممارسة أشكال الابتعاد عن الحقيقة وتلفيق التهم بهدف الابتزاز المادي أو تحقيق سبق إعلامي مجرد من أدبيات المهنة.
اعادة الثقة بين المواطن والحكومة تتطلب خطوات حكومية ايجابية يلمسها المواطن، فلا مساحة للوعود التي لن تطبق، فقد انتهت عمليا فقرة المبررات، كلنا يحب الأردن الذي يسكن بداخله، متطلبات الاستقرار ليست خيالية أو مكلفة، استبعاد المنتهزين عن المشهد قد يكون الخطة العملية الأولى التي ترصف طريق العودة، فالثقة متطلب لطرفي المعادلة ولا تحتاج لوسيط وللحديث بقية.