كتاب

عندما نبلغ الستين

<p>الحياة محطات دراسية بدون سقف للمؤهلات، نتعلم فيها ومنها لنبني خبرات بهدف توظيفها لتسهيل أمور حياتنا باستحقاقاتها الإجبارية والاختيارية، تزودنا بالحكمة والمعرفة التي ترصف الطريق للمستقبل المشكوك بثماره، ونرى فيها الصحيح أو الأقرب لأمانينا وانجازاتنا خصوصا بانعدام قواعد الصحيح والحقوق في عالم اختلط فيه كل شيء بدون أصول أو فواصل أو مبرر، حيث شريعة الغاب للأقوى؛ البعض يتغنى وينتعش على ذكريات الماضي وتاريخ مشكوك فيه بأحداثه وبطولاته، قاله البعض ووثقه آخرون، يقفز عن واقع الحاضر، بدعوى النظر للمستقبل الذي قد لا تسعفه الظروف بتحقيق أمانيه وتطلعاته، ويصرف رصيد الحاضر وهو الأجمل بهموم التفكير والدفاع والتبرير برسم التأجيل، لتمضي سنوات العمر بغفلة نصنعها دون وعي لاستغلال الجزء المكتمل فيها أو بناء قواعد لتطلعاتنا ونحن في فسحة ننتقل فيها بين عيادات الأطباء بحثا عن الشفاء.</p><p>أتصفح بحدود ضيقة ما يكتب على منصات التواصل الاجتماعي بحدود الوقت المسموح والمحدود، أقفز عن النصائح التي صنعت عشيرة من الخبراء الشاملين، أبتعد عن شاطئ هموم السياسة لافتقاري القدرة على الغطس ببحورها، ابحث عن الحكمة لإثراء ذاكرتي وتجربتي التي تنعكس على مسيرتي حيث استطعت كتابة دستور حياتي بنجاحاتي واخفاقاتي بمزيج من تجارب الآخرين والحكماء منهم بالتحديد، وقد كان للصديق الزميل الأكاديمي الأستاذ الدكتور مفضي المومني، نصيب وافر من هذا الفضل بما يكتب على منصاته ونصيحته لقادم الأيام، إضافة لمقالاته التي تنشر عبر صفحات الصحف الالكترونية داخل حدود الوطن وخارجه، لأنه يتمتع بشخصية الأكاديمي القادر على التلخيص والتحليل والاستنتاج، لديه القدرة على استباق وتوقع الأحداث، وربما أننا نتشابه بمحطات المشوار الأكاديمي والطموحات التي تحققت جزئياً بفعل عوائق رد الفعل العكسي؛ عدو الاجتهاد، أو تلك الزمرة التي تشكل جدارا منيعا حول القرار الصحيح للمسؤولين، ولكن ذلك لم يغير من التفكير والسلوك، لم يقنعنا بالتوقف أو استخدام براشوت الهبوط فوق مسطح الحقوق، فالعمل بنتائجه كفيل بإراحة الضمير وزيادة رصيد الثقة.</p><p>قرأت منشورا قديما متجددا على صفحته بفعل ذاكرة الفيسبوك؛ نصائح واستعراض للواقع حينما تبلغ الستين، والتي تحمل في غالبها قواعد الحياة للقادم من السنوات، فيها خلاصة العمل والكلام ولكنني قد أختلف مع الدكتور مفضي في بعض من الجزئيات، خلاف أكاديمي بوجهة نظر لا يحمل مناعة الخطأ أو المعارضة أو التعديل، حيث أعتقد أن اعتبار الستين هو العمر المناسب للتقاعد وتحديد سقف الانتاج، بل أنني أراه البداية لمرحلة العطاء التي تغذت ورويت بعرق السنوات المشحون بالخبرة المتراكمة التي ولدت من رحم المعاناة وحوادث الأيام، فنظرة يا صديقي للعالم المتقدم، نجد العطاء والحكمة والقرار لمن ارتدى الشيب بشعره وتضاريس الدستور في جبهته، فالتكريم للحكمة والخبرة بتوظيفها، شريطة التميز بالتغيير والأداء بدون روتين التلقين حتى لا يصبح تقاعد الفكر من المسلمات، ويقيني يا صديقي أن اختيار السبعين للتقاعد هو نتيجة منطقية لتحليل مؤهلات عطاء الأفراد الخالية من المحسوبية والتملق، بل تستند لمصلحة الأطراف فالخبرات التي يمكن الاستفادة منها تكون ناضجة ومفيدة ببداية عمر الستين، وبمختلف صنوف المعرفة والخدمة، والنظام لا يسمح بالانتقال التلقائي بحكم السنوات، كما أن الخبرات التي تترصد بالتجربة لا تورث، فلا يوجد زيادة بركاب القاطرة لظروف خاصة أو استكمالا لشروط التقاعد، بل تقييم سنوي بمعايير صادقة تخلو من شخصنة الأمور أو الذبذبة أو التسلط باستخدام السلطة بحدود الثقة المستحقة المنصفة وبعيدا عن شعارات ورثناها ورددناها ولم تعد ذات صلاحية بيومنا هذا على الإطلاق، لأنها كانت السبب لخلط العديد من المعطيات، وأعطت نتائج تجافي الحقيقة وعلى حساب المخرجات التي لو عكست الواقع لكنا بأفضل حال، خصوصا أننا نتفق–كما أعتقد–على ظلم النظام الأكاديمي المطبق في بعض مؤسساتنا الجامعية، ليكون المساهم الأول والرئيسي بتواضع تصنيفاتنا الحقيقية.</p><p>جملة النصائح وثمار جهود السنوات الواردة في المنشور، محطات استخلاص يستحق الوقوف على أطلاله للعمل به، فهو ثري بكل أبعاده وصوره، حيث سنكتشف يا صديقي عندما نكبر ونصبح أملاك حكمة ورؤية استباقية بأن كفاحنا في هذه الحياة والاستمرار فيها لم يكن أبداً لأننا نحبها بأنانية، بل كان دوماً لأجل من نحبهم وهذا يوجز النصائح التي وردت بكلماتك ذات الحكمة والروعة، بالمعنى والفائدة، فالماضي تراكم للذكريات وتجارب الحياة، بينما المستقبل عبء يحتاج لجهود وقد لا يأتي بالقدر والطموح، واقع يلزمنا باحترام الحاضر لنستثمر كل لحظاته وننفض الغبار عنه، ننقي أذهاننا من كل الشوائب؛ الماضي والحاضر يا صديقي يتصارعان بداخلنا، الماضي يشدنا للوراء، بينما المستقبل يدفعنا للأمام، صراع يحرمنا من اللحظة الراهنة التي هي ملكنا ونستطيع تطويعها لسعادتنا، وهذا لا يتنافى أبداً مع حكمة الاتجاهات الأربعة طول الحياة بدون تأجيل؛ إلى الأمام لنرى أين نحن ذاهبون، إلى الخلف كي لا ننسى من أين أتينا، إلى الأسفل حتى لا ندوس على أحد، وإلى الجانبين لنرى رفاق المواقف الصعبة، بل وقد نضيف للأعلى من اجل دعاء بالتوفيق من رب السموات.</p><p>الحوار يا صديقي يطول، فيه تشويق، ولكن معايير الالتزام ترغمني على التوقف، حاولت الإيجاز والاقتصاد، ولا أعرف إن كنت تشاركني هواجس الخوف على جيل الحاضر عندما يبلغ الستين، ودمت بخير عالما تربويا عملاقا فأنت مدرسة أدرس في رحابها وللحديث بقية.</p>