تتميز أشهر الصيف بأشهر السعادة والانبساط حيث يقترن هذا الفصل بالمناسبات لأسباب لا مجال لحصرها أو ذكرها، يتربع على قمتها النتائج النهائية لامتحان الثانوية العامة، هذا المفصل الحياتي الأهم بحياة كل فرد وأسرة اردنية، وكذلك موسم التخرج الجامعي للطلبة الذين أنهوا المرحلة التعليمية الثانية في حياتهم، إيذانا لفصل جديد بمستقبلهم بين العمل والزواج وتكملة المشوار لظروف التخصص أو تفرعه، فالرحلة التعليمية طويلة ومعقدة، وأبجديات الحياة وأولوياتها قد تبدلت بشكل جذري، لكن للنجاح بنهاية كل مرحلة عمرية طعم مختلف، ينثر بصورته السعادة على الجميع، وقد عايشت هذا الواقع شخصيا مرات ومرات للأبناء بين المدرسة والجامعة، ولكنه هذ العام قد أتى بشكل مختلف عندما وعدني ابني موسى بأن يكون الأمر مختلفا هذا العام وفي داخله تصميم على تحقيق العلامة الكاملة 100%، فكان له ما أراد بعزم وتصميم منذ بداية المشوار، وهذا الوعد قد زرع بداخلي شتلة الأمل دون إعلان، حيث الذكريات بنظرات العتاب التي تنطق بدون حروف عندما كان يبتعد عن الكتاب لدقائق لتذكيره بالوعد، ليكون الجواب ابتسامة تمتص الخوف والقلق، واشارة بتحقيق الوعد.
لم يحقق ولدي موسى المعدل بالعلامة الكاملة بسهولة أبدا، فقد خطط لها منذ البداية بوعد ذاتي وعربون سعادة عائلي لعائلة تقدس العلم وتعتبره منطاد النجاة من عثرات الزمن، بجهد وتصميم ضمن خطة دراسية وبدائل لكل صعوبة، وتوظيف عامل الوقت بالشكل الصحيح؛ توزيع عامل الوقت على الخطة الدراسية وموادها بالشكل الصحيح هو البداية لإنطلاق ماراثون التفوق، إعطاء كل مادة دراسية وقتها الكافي من الدراسة والمراجعة دون اهمال أو تضخيم بالتوقعات، الالتزام بالمنهاج ومحاولة الاطلاع على نماذج دراسية مشابهة، الابتعاد عن نظام الاهمال لفصول أو مواضيع لاعتبارات متعددة، استخدام المرافق الدراسية المتوفرة خصوصا تسهيلات التكنولوجيا الحديثة التي توفر عامل الزمن الحاضر، الاستئناس برأي المدرسين أصحاب الاختصاص لتوضيح فقرة أو شرح فكرة، وربما تطول القائمة، لكن العامل المشترك هو التركيز واستخدام بوصلة الذاكرة للتخزين، مغلفة بفنون توظيف هذه المعلومات بالوقت المناسب وضمن الوقت المناسب لتسهيل المهمة.
لا أنكر عامل القلق الذي انتابني ليلة اعلان النتائج، حاولت التظاهر واستخدام أدوات التلطيف من القلق، ولكنني قرأت على جبينه عبارة الثقة وتحقيق الوعد، ذهبت للنوم بعد منتصف الليل بسبب الارهاق والتعب، ووعدني أن ينام من أجل الصباح الباكر حيث تبدل أسلوب استلام النتيجة في مدرسته من الوجاهي في الثامنة صباحا، لرسالة عبر البريد الالكتروني بنفس التوقيت، صحونا جميعا في السابعة صباحا لأمل التبكير بالنتيجة لأي سبب، لكن عقارب الساعة بطيئة والثواني سنوات، محاولة اخفاء القلق بدت فاشلة بالرغم من الصمود الظاهري بابتسامة أمل، يقابلها ثقة كبيرة عند الإبن الذي ينتظر بعد عزف موسيقي على اليانو لأغنية أعشقها «الناجح يرفع إيده»، «وأخذنا الشهادة» حيث أراقب ملامحه، وبحدود الثامنة والربع وبصوت الثقة ولغتها بأحرفها نطق موسى بكلمة واحدة «مئة» وقفز يقبلني، فنزلت دمعة الفرح التي حبستها وأخفيتها داخل حجرات القلب لسنوات العمر، لأن العلامة التي تحصل عليها تعنيني بحياتي الكثير وتفسر الثقة بالتحديات؛ نسيت التعب والقلق، نسيت الألم والمرض، شطبت عامل الخوف وهاجس المجهول، نسيت ما دفعت وبذلت، لأعيش على أنغام العلامة الكاملة وكلمة «مئة».
نجاح الأبناء وتفوقهم هو الحدث الأهم والهدف الأوحد للآباء الذين يواصلون التضحيات والعمل الدؤوب سعيا لتذليل الصعاب ورصف الطريق الأسهل لتحقيق الأمنيات التي تتعدد محطاتها ومسمياتها، لكنها بجذر واحد يغذي ساقها لتبقى بشموخ يعتمد على الوسيلة الأمثل للأهل عندما قرروا الاستثمار بالأبناء وليس لهم، بفرضيات واقع القدرات وظروف الحياة المتقلبة والمستجدة، دون مبرر لاستخدام أدوات الاحباط اللفظية أو المعنوية حتى بالبعد التفكيري، فقدرات هذا الجيل الرائع المبدع يمكننا استخلاصها لو تعاملنا مع احداثياتها بالشكل الصحيح وبعيدا عن التسويف أو الوعود التي لم تعد تغذي الأمنيات بواقعها فيتساقط فرسانها عن عرباتهم بأي امتحان، فدور الأهل مهم جدا بالمراقبة وتسهيل المهمات، واستخدام علامات الترقيم بشكلها الصحيح، فلا أجمل ولا أعظم من لحظات النجاح للأبناء بامتحاناتهم عبر محطات الحياة والتي تبدأ بالمحطات الدراسية، وأما ليلة اعلان النتيجة فتلك حكاية يصعب وصفها وللحديث بقية.