الرأي الثقافي

السيّاب في مرآة إحسان عباس.. مراجعة وتحليل

<p>يعدّ كتاب (بدر شاكر السياب؛ دراسة في حياته وشعره) للعلّامة الكبير إحسان عباس، أحد أبرز وأهمّ ما كُتب في بدر شاكر السياب، لأنه كتاب شارح لمجمل الظروف الاجتماعية والنفسية والفنية، التي خلقت الرؤية الشعرية السيابية الحديثة. وفيه يفيد إحسان عباس من معطيات الزمان والمكان؛ ليصوّر أدقّ التفاصيل التي صنعت تجربة السياب.</p><p>ويقسم الكتاب بعد المقدمة إلى خمسة فصول، في كل فصل عدد من الأبواب الفرعية تتعدد موضوعاتها وعنواناتها، ومجموعها 31 باباً، تليهم خاتمة ثم قائمة بالمصادر والمراجع.</p><p>في الفصل الأول (البحث عن النخلة)، يبدأ إحسان عباس بوصف المكان الذي عاش فيه السياب طفولته مع عائلته، قرية (جيكور) في مدينة البصرة، ويصف أسباب تعلقه بما ارتبط بأمه وذكرياته معها -نهر بويب مثلا- قبل أن تموت وهو ابن ستة أعوام. ينتقل لوصف السياب خلقياً، وكيف أنّ قلة وسامته أثرت على عاطفته في المراهقة، ثم يذكر مجمل ذكرياته مع عائلته وقصص جده ولعبه على شاطئ (بويب). وفي الباب الثالث (بواكير الشعر)، يصف الظروف السياسية التي فيها بدأت شاعرية السياب بالظهور، وقد تمحورت حول قريته الريفية وذكرياته معها، وظل محافظاً على حسه الرومانسي في بداياته مع توجيهات نقدية من صديقه (خالد الشواف)، تلك النقود التي وجهت أسلوب السياب فيما تلا.</p><p>وفي باب (راع دون قطيع)، يصف طبيعة الاتجاه الشعري الذي ارتآه السياب أو جعلت ظروفه مواتية له؛ ففيه يعيد عباس التأكيد على منطلقات شعره الريفية الرّعوية، وهو في المرحلة الثانوية التي ما زال فيها يمتح من نصائح صديقه الشواف. ينتقل عباس مع بدر تاريخياً إلى المرحلة الثانية في شعر السياب، وهي مرحلة الانتقال الى بغداد -دار المعلمين- سنة 1943 في باب منفصل بعنوان (بين الأقحوانة وذات المنديل). يبدأ السياب بالتعرف على الحياة الأدبية في المدينة ويختلط بالأدباء والمثقفين بصحبة صديقه الشواف، ويمنحه هذا التطواف اعترافاً أولياً بشاعريته، ومنها انطلق ليطور من رومانسيته شعراً، خاصة بعد أن منحته بغداد فرصة الالتقاء بالنساء اللاتي صنعن بداياته الشعرية؛ مثلا في قصيدته (الأقحوانة). يصف عباس مجمل الظروف النفسية والإخفاقات العاطفية التي أثرت على شعره؛ فبدا كأنه «مرثية» يأبى فيها الانفصال عن النخلة–رمز أمه وطفولته وذكرياته معها.</p><p>في باب (الهوى البكر)، يصرّ السياب على كتابة الشعر رغم خفوت قصيدتيه الأخيرتين في ذات المنديل! ويكثر السياب من القراءة، إلى جانب محاولاته المستمرة في كتابة الشعر، وتبدأ ثقافته بالاتساع مطلعاً على أدب ونقد القدماء، إلا أن الاضطراب الذي شارك فيه السياب أدى إلى فصله من الجامعة، فرجع من بغداد إلى جيكور تاركاً (هواه البكر/ محبوبته الجديدة) واصفاً هذه المعاناة في ديوانه (أزهار ذابلة).</p><p>وفي باب (الانتماء الشيوعي)، حديثٌ عن النشاط الحزبي الشيوعي للسياب مدة ثمان سنوات، وكان قد بدأ هذا النشاط مع عمه وأقربائه في جيكور، وأعلن عن هذا التوجه بعيد فصله من الجامعة. يصف عباس الظروف الاجتماعية والنفسية والسياسية الداعية لتوجه السياب شيوعياً، ويورد شيئا من مذكراته ومراسلاته في تلك الفترة. أما عن شعره في هذه الفترة أيضا، أي سنة 1946، يذكر عباس أن السياب كتب قصيدته (هل كان حبا)، التي تعد أولى قصائده التي اتجهت للشكل الحديث في الشعر.</p><p>وفي باب (من الوثبة إلى النكبة)، يستمر عباس في التأريخ السياسي للظروف السياسية التي عاشها العراق والمنطقة العربية عامة وفلسطين خاصة، ودور الحزب الشيوعي في الثورة التي قادها الثوار ضد معاهدة (بورتسموث)، وبالتالي دور السياب باعتباره عضواً في الحزب، ففي هذه الفترة، كثر شعر السياب الذي سخّره لخدمة أغراض الحزب. ولكن موقف السياب من الحزب، اختلف بعد أن اضطر الحزب العراقي الشيوعي إلى امتثال قرار روسيا بالعدول عن الحرب ضد اسرائيل، والتصديق بتقسيم الدول العربية. فلم يكن من السياب إلا أن انشق عن الحزب الشيوعي.</p><p>وفيما تلاه تفصيل في بداية شهرة السياب مع نشر ديوانه (أزهار ذابلة)، وعلاقته بالشاعر محمد مهدي الجواهري، وتأجُّج عاطفته تجاه حبيبته (المنتظرة)، وسلوكه تجاه المرأة عموماً ومدى تأثير علاقته بالمرأة على رؤاه شعراً، خاصة بعد أن خرجت تماماً من عالمه. بعد هذا يأتي ذكر دراسة السياب للإنجليزية ومدى تأثير اطلاعه على الأدب الانجليزي بشعره لاحقاً، ومن ثم عمله مدرساً عامَي 1948-1949 في مدرسة الرمادي، ويحكي السياب شيئا من ذكرياته في هذه المرحلة، بينما يعلق عليها إحسان عباس بالمبالغة. ثم ينتقل لوصف ما آل إليه حال الحزب الشيوعي العراقي بعد إعدام بعض قادته ودور السياب معهم آنذاك.</p><p>أما باب (أساطير) فإنه يحمل اسم ديوان السياب، الذي يحمل قسطاً ظاهراً من الرومانسية متصفاً بالازدواجية؛ ازدواجية الحب والموت، وازدواجية الشكل الشعري الحديث مع القديم، وازدواجية النضال من أجل الجماعة والنضال ضد آلام الحبّ. وهو ديوان استطاع عباس –من خلال استقرائه- وصف مراحل تشكّل الكتابة الشعرية عند السياب، والتزامها الشكل الجديد الذي عززته الحاجة النفسية ومجموع تلك الازدواجات لديه، وخاصة مرحلة تأثره بالشاعر الإنجليزي (ت.س.إليوت).</p><p>في الفصل الثاني من الكتاب وعنوانه (البحث عن الملحمة) يفصّل إحسان عباس الحد الفاصل بين دواوين السياب رومانسياً ونزعته إلى الشعر الاجتماعي بعد ذلك ممثلا بديوانه (زئير العاصفة) وقصائد (حفار القبور-القيامة الصغرى- فجر السلام- مقل الطغاة)، ويحلل قصيدة فجر السلام، ليخلص إلى فكرة تحول السياب في الموضوع الشعري إلى مستوى إنساني عام وشامل، إلى جانب ميله إلى بناء القصيدة الطويلة التي تسعف نفسه الملحمي الذي تفرد به.</p><p>يفرد عباس لـ (حفار القبور) باباً مستقلاً؛ يشرح فيه الدواعي النفسية عند السياب التي مهّدت لكتباتها، ثم يحلّلها فنياً. وفي الباب (14) يفصّل الظروف السياسية والمعيشية للسياب منذ عام 1950 ومظاهرة تشرين عام 1952، حين انتقل على إثرها إلى ايران، ثم فرّ إلى الكويت على ظهر سفينة مثقوبة! ويصف الكاتب حياته في الكويت بين رفقائه، ويذكر أبرز القصائد التي كتبها في تلك الفترة (المومس العمياء-الأسلحة والأطفال-غريب على الخليج) -حتى عُرف بشاعر القصائد الطويلة- ويقارن عباس بين القصيدتين الأولى والثانية، مؤكداً على فكرة الازدواجية مرة أخرى في قصيدة (الأسحلة والاطفال)، تحديداً ازدواجية حرية الارادة و الجبرية، إلا أنّه ينفي فكرة البناء المزدوج هذه عن قصيدة (المومس العمياء) ويحلّلها في باب مستقلّ.</p><p>يليه باب آخر يفرده عباس ليحلل قصيدة (أنشودة المطر)، بعد استعراض لبنائها وقصيدة (غريب على الخليج) مقارنة بتجاربه السابقة. يكشف الكاتب عن تفرد (أنشودة المطر) بسحر الكلمة الواحدة وتأثيرها في بنية القصيدة وفي نفس المتلقي. كما يكشف عن دلالات نفسية لهاتين القصيدتين –دلالات غير فنية- مرتبطة بشعور الغربة عند السياب، وعذابه بوطن جريح إلى جانب ما قاساه على مستوى شخصي، إلا أنه غلّب الجمعي على الفردي، والوطن على نفسه في نهاية المطاف.</p><p>في الباب (19)، يفرد عباس لعلاقة السياب بمجلة «الآداب»، وبداية انفصاله الحزبي مع بروز حسه الوطني. وفي هذه المجلة يصبح السياب عرضة للنقد من أدباء ونقاد كبار مثل رئيف خوري وأمين العالم. ويكشف لنا عباس تفاصيل ما تعرض له السياب من نقود وردّه عليها. وفيما تلاه، يوضح لنا مرحلة انتقال السياب إلى الموضوعات ذات الطابع القومي العربي، واهتمامه بمفاهيم الواقعية الحديثة، وقد تزامن هذا مع اتساع الروافد الثقافية التي أعانت السياب على التجديد في الموضوعات والبنى والرموز والصور، والتي أجاد الكاتب في توصيف مدى تأثيرها على السياب. وبالطبع لا ينسى عباس الإشارة إلى فكرة الألوهية والإنسانية عند السياب، والتي أظهرت للمتلقين فكرة ابتعاد السياب عن إيمانه بالإله، وهي مغالطة سببها القراءة السطحية لنصوص السياب، وقد مثّل عليها عباس بنصوص من قصائد مختلفة.</p><p>وفي الفصل الرابع وعنوانه (سلال الصبار في بابل)، يفرد عباس الباب (24) ليفصل الحديث في السياب ناقداً، وقد نشر نصوصه النقدية في أعمال نازك الملائكة وبلند الحيدري وكاظم جواد والبياتي وغيرهم. كما يشرح ظروف عمل السياب الصحفي.</p><p>أما في باب (ولكن متى كنت شيوعيا) ومع اندلاع ثورة تموز عام 1958، يظهر ثبات السياب على موقفه من الحزب الشيوعي وانفصاله التام عنه، وفي الوقت نفسه فصله عن عمله الصحفي وهجومه على الشيوعيين. وفي الباب (تموز والمسيح)، يفرد لنا مساحة كافية لفهم رمزية المسيح وأسطورة تموز في شعر السياب، بدءاً من (أنشودة المطر)، ويستمر في الباب الذي يليه موضحاً رمزية العديد من الأساطير والرموز الأخرى؛ مثل جيكور وبعل وعشتار وسربروس (كلب الحجيم) والسندباد وقابيل ويهوذا وعازر.</p><p>وأخيراً في الفصل الخامس (عولس يكتب مذكراته)، يصور السياب ظروفه بعيد انتقاله الى بغداد وسجنه مرة أخرى -بسبب أن الشرطة العراقية ظلت مصرة على انتمائه الشيوعي- وظروف اعتقاله وعلامات انهياره الجسماني إلى جانب النفسي. كما يسرد أحداث انضمامه للمؤتمر الأدبي في روما عام 1961 والمحاضرة التي ألقاها آنذاك. ومن ثم عودته إلى بيروت حين تداعى وضعه الصحي الى درجة أن كتب وصية لزوجته. ورجوعه للعراق ثم سفره للندن ثم فرنسا لتلقي العلاج ليعود للعراق وقد فُصل من عمله، ويزداد مرضه إلى أن يتوفاه الله ظهر يوم 24/12/1964.</p>