العنوان هو الجواب للذين سألوا عني بالفترة الماضية، فأنا مواطن بالوطن وجندي للوطن، أعيش بمثالية غير مؤذية، وبواحد منها ايماني وقناعتي بحاجة المحارب دائما لفترات من الراحة وإعادة هيكلة مقتنياته بما يسمح له في الاستمرار بالعطاء الذي يتمناه والمتوقع منه، فحياة كل منا عبارة عن كتاب يوثق منجزاتنا ويحفظ أحلامنا ليقارنها مع الواقع وما تحقق منها عبر محطات العمر منها الالزامية ومنها الاختيارية حسب الظروف، وربما شخصيا قد سلكت هذا الطريق منذ فترة تمتد لسنوات لقناعتي بضرورة المراجعة لما أنجزت مقارنة مع حجم التوقعات لتشكل بداية جديدة للقادم وخارطة طريق تسمح بالأداء بالقدر الذي يؤهلنا لنكون رقما حاسما بمعادلات الحياة المتعددة كما هو متوقع والتي تتغير معطياتها بظروف خارجية أحيانا وغير واردة في الحسبان، واعتمادا على هذه النظرية، سمحت لنفسي باجازة أو شبة اجازة من الكتابة حيث السؤال الذي يلاحقني بكل مناسبة عن سبب التوقف لأكتشف أن هناك متابعة بلغة المحبة ومناقشات تدور حول المحتوى الذي يحترم الرأي الآخر وتقبل النقد الايجابي.
يعتمد مصطلح اختيار التوقيت المناسب بنظر صاحبه على العديد من العوامل التي تحكم تنفيذ الفعل، التي تبدأ بتحديد الظروف وتطويعها للأداء حتى تكتسب الخطوة ايجابيتها بحياة الفرد، شريطة استخدام مؤهلات الواقع وبعيدا عن التوقعات والمراهنات أو المناكفات التي تبرر الاخفاقات بقائمة من المبررات الركيكة، والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها حتى على مستوى الفرد، فهي قاعدة الحكم على النجاح بدرجاته منذ ولادته، وربما بحكم مهنتي كطبيب، أرى أن المزاولة التي تبنى على الخبرة مع السنوات، تضاعف من حجم العطاء والانجاز، ولكن لا بد من وضع سقف عمري لاستمرار المزاولة بدرجاتها تحكمه ظروف الفرد، فتسليم الأجيال راية الخدمة متسلحة بدرجات من الخبرات المتراكمة لتضيف اليها وتسلمها في الوقت المناسب وهذا يمثل قمة التفكير الصحيح حيث الانتقال للبحث وتقديم النصيحة، هو مجال آخر ومكمل للجزء الأول من المعادلة الحياتية، لا يقل أهمية عن السابق.
حب الذات والاعتقاد بصحة الفعل والقول والتفكير بل والحكم على الامور بأنانية امتلاك التفسير الصحيح أحيانا هي غريزة انسانية يصعب العبث بمكوناتها أو تغيير أركانها، وشواهد التاريخ بكل أصنافه تشير لمثل هذا السلوك للآخرين ومتحف العمر والذاكرة زاخرة بالذين سطروا أسماءهم بالنجاح والفشل حيث تعلمنا منهم الحكمة والدرس، فالتوقف لمراجعة الذات ونيل قسط من الاستراحة هو خطوة ذكية يمارسها العقلاء للمراجعة والتحليل وتجديد الثقة بالنفس وانعاش الذاكرة، بل واختبار حقيقي للواقع بين فئة المعشر المستهدف بنوع العطاء، وربما أنني أفتح بوابة الذاكرة على المستوى الشخصي لظروف مررت فيها من قبل، فكانت «الرأي» الأم الحاضنة للعاشقين، يعودون بثقة لمظلة الكبير بين الأقران.
الكتابة على صفحات «الرأي» هي أمنية لمن يريد إسماع صوته، والصحافة الورقية تتربع على القمة برغم الظروف التي مرت فيها وحجم القوى التي حاصرتها لتقييد كلمتها أو تحجيم تأثيرها، ومع الاحترام للصحف الالكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو تحاول قذفها لتحجيمها، ولكن للتذكير لا يمكنها أبداً أن تشكل بديلاً عن الصحافة الورقية التي تجسد واقع الحال وتمثل خط الدفاع الأول عن منجزات هذا الوطن بل أنها الأرشيف الحقيقي الذي يمكننا اللجوء اليه عندما تقذفنا أمواج البحر الهائج للبعض بصور التشكيك الذي يبعثر ذاكرة المكان ليرسم بطولات وهمية فقدت صلاحيتها، فإحدى النعم التي امتلكها أبناء جيلي تتمثل بالقراءة الورقية والبحث الفكري الذي يجسد أرقى أنواع الذكاء، بعيدا عن عكازة منصات التواصل التي استطاعت فرض هيمنتها واحتلال جزء يسير من الوقت لجيل الحاضر بسبب الادمان غير المبرر، وهذا لا يتعارض مع سهولة الحصول على المعلومة ولكن لا بد من التدقيق بمضمونها قبل الاعتماد.
عدت للكتابة على صفحات «الرأي» بود ومحبة، بعد اجازة منحتها لنفسي وكنت بأمس الحاجة اليها، ولكن «الرأي» حاضرة بقيمها ومعانيها، التي تمثل شكلا من أشكال الفخر للمنتسبين اليها، متمنيا أن تكون عودة موفقة لمشاركة الهموم والانخراط مجددا بالدفاع عن هذا الوطن وشعبه ومنجزاته، فأنا جزء من الكل، والوطن يسكن بداخلنا، لا نختلف بالمضمون ولكن قد نشتبك ونجتهد بالتنفيذ؛ واقع صحي وصحيح وللحديث بقية.