نظرة تأمل في قوله تعالى: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا» (سورة الجن:15)
11:21 7-8-2024
آخر تعديل :
الأربعاء
<p>من خلال مطالعتي لبعض كتب التفسير وجدت إشكالا في فهم هذه الآية، ورأيت أنه من المناسب جدا أن أشير الى مسألة لم ينتبه لها الكثيرون.</p><p>وتقرير المسألة أن البعض ذهبوا الى أن معنى قسط يقسط قسطًا فهو قاسط إذا جار وظلم، ولهذا قال تعالى: «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» الجن: 15 ويعني به الظالمين الجائرين المعتدين لحدود الله، وهم الذين توعدهم الله بأن يكونوا حطبا لجهنم.</p><p>أما كلمة المقسطون بالميم من أقسطوا من الرباعي فهؤلاء هم: أهل العدل الموفقون المهديون الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وفيمن ولاهم الله عليهم، ولهذا قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة: 8 يعني يحب أهل العدل والاستقامة والإنصاف، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله أنه قال: المقسطون على منابر من نور يوم القيامة الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».</p><p>ورأى البعض أن قسط بمعنى ظلم بسبب دخول الهمزة على » قسط » فغير من معناها من الجور الى العدل فصارت قاسط بمعنى ظالم، وأقسط مقسط بمعنى عادل، وأسموا هذه الهمزة بهمزة الإزالة والسلب. وهذا الكلام ليس دقيقا وهو محل نظر وفيه تعجل.</p><p>التوضيح:فإن الأصل في القسط في اللغة هو العدل،وليس الظلم كما يرى البعض،فقد أمر الله تعالى بالقسط فقال: » قل أمر ربي بالقسط'(الأعراف: 29)، لأن الله لا يأمر بالفحشاء ولا بالظلم، فالمقسطون وقاسطون هم أهل العدل في حكمهم وفي أهليهم وفيما ولاهم الله عليهم، ولا فرق بين قاسط ومقسط وليس هناك تضاد أو تخالف في أصل المعنى، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نفهم الآية في سورة الجن:'واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا'؟ وكيف يتوعد الله العادلين بجهنم؟</p><p>والجواب أنه لو سألنا سؤالا بسيطا وهو: متى يكون العدل والمساواة ظلما؟ وتوضيح ذلك مكتوب في القران العظيم ويفهم من سياق الآيات في سورة الجن نفسها. فأما السياق؛ فإن المتأمل في آيات سورة قصة الجن الذين أسلموا يجد أن الآيات كانت تتكلم عن أهم مسألة في الإسلام وهي توحيد الله تعالى وعبادته وحده تعالى، فكل مساواة مع الله تعالى لا تجوز بأي حال، وبالتالي فإنها تكون ظلما وتعديا على حق الله تعالى في توحيده وعبادته. فإذا فهم ذلك فيكون مؤدى الآية والمعنى الإجمالي لها أن من ساوى الله بغيره أو عدل الله بغيره فقد كفر، وهذا هو أشد أنواع الظلم بحق الله، في أن تجعل مع الله شريكا له وقد خلقك. وأما الآيات في القران الناطقة بتجريم الشرك بالله فهي كثيرة منها قوله تعالى:» الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (» (الأنعام: 1). وقوله تعالى:» إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا» (النساء: 48)</p><p>فكلمة قاسطون هنا هي بمعنى عادلين بالله غيره وهذا ظلم ولا يجوز فكان مؤدى الآية أن الذين ظلموا أنفسهم في عبادة غير الله قد أوجبوا في حق أنفسهم جهنم، وبالتالي فلا يوجد همزة إزالة في هذه الآية.</p><p>هذا والله أعلم</p><p>Email</p>