(ميرسو - تحقيق مضاد).. رحلة السرد من أجل العدالة

تاريخ النشر : الجمعة 11:48 19-7-2024
No Image
1100

تحمل رواية «الغريب» الصادرة عام 1942 لألبير كامو قيمة فلسفية عميقة تحاول من خلالها البحث في أسئلة الإنسان مع الوجود وفي علاقته مع الآخر، فماذا لو كان الوجود عبثا؟ عدم اكتراث البطل بوفاة أمّه وانعدام أحاسيسه تجاه حبيبته، وقتله لـ «العربي» بدمّ بارد، كل هذا يبرز تكوين شخصية «ميرسو» الذي سينتصر بعبثيته ولامبالاته عندما يغادر كل شيء.

لكنّ القارئ أمام إشكاليات عويصة هنا، ألا وهي: هل هذا التكوين أو الفكر الفلسفي يؤوّل الوجود بشكل جيّد؟ هل يسمح له هذا بعدم الاكتراث لوفاة أمه التي تعتبر أقدس المخلوقات في كل الأعراف؟ وكيف له أن لا يكترث لجريمته؟ لقد قتل «ميرسو» العربيَّ وزاده أربع طلقات وهو جثة وسنجده لا يعترف بالجريمة كنوع من الشرّ والفساد لكنه سيراها من منظوره العبثي، فما هو هذا الفكر أو المنظور الذي يسمح لنا على التعدي على حياة الآخر؟ ستتحول أسئلتنا إلى أشكال من محاكمة «ميرسو» في المسار الذي انتهجه لتفكيك رؤيته السوداوية لهذا الوجود، سنح?كمه من خلال الضمير والرمزية التي تسيّر سرديته.

لقد انتصر ألبير كامو بروايته هذه لفكرة المركزية الأوروبية (الغربية)، ولعلّ القراءات الأولى للرواية منذ صدورها لم تتعاطَ معها من هذا السياق، بل ارتكزت على البعد الفلسفي والفكري للرواية، فبتعيين العربي دون ذكر اسمه يكون كامو قد بنى عالمين للرواية، ورغم أنّ سرده كان متوقعا داخل العالم الذي يشمل الغرب إلاّ أنّه قام بتهميش العالم الآخر الذي يمثّله ذلك العربي.

لقد كتب كامو هذه الرواية بشكل جيّد وجميل، الأمر الذي جعل العالم يتعاطف مع «ميرسو» ونظرته المغايرة للحياة، فرواية «الغريب» من أشهر الروايات على مرّ التاريخ، ولعلّ الروائي الجزائري كمال داود تحدّث عن هذا وحاول تفكيك السرد الكولونيالي والمركزية التي تميّز هذا الكتاب، من خلال روايته «ميرسو-تحقيق مضاد» التي صدرت باللغة الفرنسية (منشورات البرزخ، الجزائر، 2013)، ثم تُرجمت للعربية من طرف ماريا الدويهي وجان هاشم وصدرت عن دار الجديد اللبنانية تحت عنوان «معارضة الغريب»، ولعلّها ترجمة غير صحيّة لأنّها تبتعد عن العنوان?الأصلي للرواية بالفرنسية.

يحلّل كمال داود في روايته نصَّ «الغريب»، ويبرز كيف أنّ هذه الرواية نظّرت للكولونيالية والمركزية الغربية على عاتق العربي المقتول الذي لم يتم ذكر اسمه وكيف أنّ هذا قد جرّده من وجوده وهويته وحتى حق الانتماء لهذه الرواية.

في رواية داود، يروي «هارون»، وهو شقيق العربي المقتول في رواية «الغريب»، أنّ براعة الكاتب غطت على الجريمة الشنعاء، فكل من قرأ الرواية أُعجب باللغة والأسلوب وتناسى الجريمة، حتى التعاطف صار تجاه «ميرسو» عوض أن يكون تجاه القتيل «موسى».

هنا نلمس بداية تفكيك المنظومة الفكرية التي اتخذتها رواية «الغريب»، حيث سيعطي كمال داود القدرة لقراءة الأحداث من الجانب الآخر وذلك بقيام «هارون» بفعل السرد، ويعطي اسما للمقتول هو «موسى». ستتجسد هوية هذا الرجل منذ البداية لأنّه يملك اسما كما يقول شقيق الراوي: «هناك مقتولان، الأوّل يعرف كيف يروي، لدرجة أنه عرف كيف يغطي على جريمته ويتم تناسيها، أمّا الثاني فقد كان إنسانا غير متعلم خلقه الله فقط ليستقبل طلقة ويعود للتراب، مجهول لم يملك حتى الوقت كي يكون عنده اسم».

يقول «غادامير» في «التأويل» أن علينا دراسة الأدبيات جماليا وتاريخيا ولغويا، ولعلّ نصّ «الغريب» يجب أن نتعاطى معه بهذا المقياس، وهذا كي نفهم سياق بروز هذه الرواية التي تزامنت مع سيطرة الاستعمارات والمركزية الغربية في الواجهة، وأيضا الصيرورة التاريخية التي أوجدت مثل هذا الخطاب المركزي لأنّها مرحلة نهاية استعمارات مباشرة ستليها استعمارات فكرية بين العالمين. أما من شقّ اللغة فنجد أنّ الرواية امتلكت لغة غنية بالرموز والجماليات الفنية، وهذا ما جعلها تبرز بشكل فريد كما يوضحه «هارون»، وستعبّر اللغة هنا عن فكر عميق?ممتلئ بالرمزيات، فكما نعلم أنّ هناك وحدة بين الفكر واللغة، لذا ستكون هذه الأخيرة مجالا واسعا للتأويل والتفكيك.

قوة السرد في رواية كمال داود بارزة هي أيضا، لأنّه سيقدم لنا نصا روائيا نقديا لما جاءت به رواية كامو، سيصوّر لنا معاناة الأمّ في تقفي أثر الجريمة وعدم تمكّنها من إثبات أنّ المقتول هو «موسى» ابنها لأنّه لم يتم ذكر أي إثبات لهوية ابنها. هذه الإشكالية تحمل رمزية كبيرة في النص السردي، لأنّ الأم هنا ستكون صورة عن الجزائر التي ستكون هي المقصودة بشكل أو بآخر لأنّها لم تعد مسألة عائلية فقط، فـ «موسى» يُعتبر ابنا لهذه الجزائر التي فقدت أحد أولادها ولم تستطع إثبات الجريمة لأنّها ارتُكبت في كتاب دون ذكر أي شيء عن القت?ل سوى أنه عربي، وذلك لإبراز أنّه يخصّها لكن دون قدرتها على التعرف عليه أو متابعة ملابسات هذه الجريمة، ولهذا سيقوم شقيق الضحية بلعبة السرد هو الآخر، تيقّنا منه أنّ اللغة والكتابة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات الجريمة وإعطاء نظرة مغايرة لكتاب «الغريب». وعلى هذا يمكن لنا القول إنّ الجريمة في رواية كامو ليست فعل قتل فقط، بل هي مقاربة أيديولوجية للاستعمار تضاهيه قسوة وعنفا رمزيا.

لقد عانى «هارون» كثيرا لأنّه لم يجد أي أثر لجثة شقيقه، لا في محاضر الشرطة ولا في الإعلام ولا المقبرة، ولكن بالأكثر لم يجدها حتى في الكتاب، كأنّ الكاتب أراد إخفاء أي أثر لجريمته، وسينتبه «هارون» لشيء مهم في هذا السياق؛ لو تم إعطاء اسم لأخيه في رواية «الغريب» لأصبح مشهورا على الأقل بحكم أن هذه الأخيرة من أشهر الأدبيات في العالم، لكن لو تم فعل ذلك «لطرحَ الأمرُ مشكلَ الضمير للمجرم، لأنّه لا يمكن قتل أي إنسان بسهولة عندما يملك اسماً».

هكذا سيكون كتاب كامو وجريمة «ميرسو» قد صنعا شيئا مركزيا في علاقة «ميرسو» (الغرب) مع العربي (الإنسان المستعمَر)، ورغم أنّ رواية «الغريب» تملك أسئلة فلسفية مهمة حول العبثية والوجودية إلا أن هامشية الإنسان الجزائري أيضا كانت مسارا مركزيا في البناء السردي للرواية.

لقد عانت الجزائر بشكل كبير من هذه الرواية كأيّ تدمير أو مأساة حربية أخرى اقترفتها فرنسا بحسب قول «هارون": «هذه القصة صارت كتابا معروفا وغادرت البلاد تاركة إيانا دون مجد». سأتساءل مما سبق، في حين أن الاستعمارات القديمة بدأت تنتهي آنذاك، هل مهّدت رواية «الغريب» لألبير كامو للنيوكولونيالية لدى صدورها؟
(ناقد جزائري)

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }