يحلو لي كلما أشتقت لعمّان بمعناها الجميل والعتيق النزول لوسط البلد واستنشاق عطر الذكريات حين كنا صغارا (وما نزال) والتجوال في كل معلم فيها حفر في وجداننا لوحة تعني البساطة والأصالة والتنوع والانسجام.
جيل الستينيات مثلي يذكر عمّان وتفاصيليها حين كنا ننزل من اللويبدة نحو وسط البلد مشيا على الأقدام وفي كل مرة من طرف معين يقربنا من السوق وحركتها ومحالها وتفاصيلها المحببة للنفس ومقابلة قامات شيدت وأعطت وقدمت وصبرت في المجالات كافة ولم تبخل يوما من عمرها للوفاء لحكاية عمّان مع أهلها واستقرت في ركن من أركانها قلبا ينبض بالوفاء والانتماء والاحترام والتقدير والمودة.
كل سوق ودرج ومحل ومكتبة ومعرض وعيادة ومخزن ووكالة ومطعم وشارع وبنك ومصرف ومسجد ومصلى وكنيسة وتقاطع وطلوع وحكاية لها مذاق ممزوج بذكريات أجيال وأجيال عاشت في قلب عمّان وسكنت في رباها وامتدت إلى خارج حدودها وأبعد من وسط البلد بقليل.
تفاصيل عديدة خلدتها أعمال أردنية مضيفة لقائمة الكتب ما يفيد ويغني المسيرة من نتاج وعطاء ولعل من أهم بنود الجولة في عمّان اقتناء كتب من مكتباتها بعد شراء ما يلزم من أسواقها والتمتع بجولة في شوارع وسط البلد وملاحظة العديد من التغيروالفرق الذي طرأ على معالم الماضي وما يعتبر من متطلبات الحاضر ومسايرة التقدم.
سرد طويل يحتاج للحديث عن كل معلم من أركان وسط البلد وما كانت تعج بها الأجواء على مدار العام والذكريات والأجيال والتي ورثت حب عمّان وها هي تحاول إنعاش القديم بالجديد مفعمة بلهجة عمّانية تستحق هي الأخرى البحث والدراسة والاهتمام.
تريح النفس جولة وسط البلد والشعور بالأمان لحفاوة عمّان بمن يقصدها لتلاوة حكايته والاستغراق في حلم جميل من مجمع رغدان والشابسوغ وشارع الرضا والسعادة وطلال والأمير محمد والمصدار والمهاجرين والجامع الحسيني وسوق السكر والخضار والطلياني وبسمان والخيام والقلعة والحدادة والعديد من الأسماء والشخصيات التي ارتبطت بتطور عمّان عبر المراحل من التاريخ ولعل المحطة وماركا ورغدان والعبدلي ووادي صقرة ومعالم سوف تبقى كما هي في البال والوجدان مطلة على الذاكرة ومشروع الراحة الذي لا تمنح إصداره سوى مجموعة من القامات العمّانية باقتدار والذين فارقنا البعض منهم منذ عقود.
أنزل لوسط البلد حيث ما تزال رائحة القهوة من محامصها هناك وحركة الحياة فيها تشدك إلى الكثير من المحال المتخصصة بكل ما يحلو للنفس من لبس ومأكل وزينة وتنوع، ولعل كل جزء منها يحكي الكثير عن حكاية كل محل وقصة صموده في وجه الزمن الجميل والماضي التليد.
تجد في وسط البلد كل ما يخطر على البال والشهية والرغبة في التسوق والحديث مع الباعة وممارسة » المفاصلة » من باب التفاعل وكسر الجمود وكسب فرق بسيط من السعر وفتح باب الأسئلة عن » الكبار » الذين أسسوا المصلحة.
«يا الله، والله زمان» بعض من المناجاة والتعلق بما كان حين لم نكبر لدرجة أن ننسى عمّان تلك التي قالت لنا ذات يوم ووعي: «أنتم المستقبل»، تقودك الخطوات دون تسرع إلى رحاب المسجد الحسيني لصلاة مفروضة ونافلة ومقابلة من يقصدون عمّان على وجه الخصوص والراحة.
عمّان يا حكايتنا الغالية والعزيزة منذ أن عهدنا وسط البلد يكبر ونكبر معه محبين أوفياء، دمت في أمن وأمان يليق بنا معك، نحمل كل متاعبنا ونمضي مثقلين بأمانة العودة إليك كل حين: عشت يا عمّان.