تكتظ الخيام بدل البيوت وفي أول رمضان يمر على أهل غزة، وينساب عبر الأثير وغياب الأب، الأم، الزوجة، الأولاد والعائلة تحت السماء وعلى مرأى من العالم وفي معاناة إنسانية ونازلة قاسية.
حديث شجي بين أهل الخيام ممن يسكنون مع ذاتهم في شهر رمضان وهو الأول لهم مع ذكريات من فارقهم بالشهادة وانتقل إلى رحاب الله وفي ذمته، يتبادلون الحديث لينتقل عبر الفضاء إلى من يسمع ويتدبر ويتفاعل معهم ويسارع لترجمة الشعور إلى موقف ومساندة وعون.
في الخيام هم ومع الصبر والثبات في وجه التحديات الطبيعية والسياسية وكل ما يخطر على البال مما تواجه الخيام من رياح وظروف جوية، فمال الحال بالنسبة لسكانها من مواجهة وحرمان وفقدان لأبسط مقومات الحياة في رمضان على وجه الخصوص؟
ثمة محاولات ومساعدات لإغاثتهم وتوفير وجبات إفطار متواضعة، يقطعون مسافة لأجل ذلك، يرجعون لخيامهم وقد أخذ التعب منهم لقاء الحصول على المدد، يفترشون السماء أثناء لحظة الفطور والدعاء والفرحة حينئذ والتطلع للقاء الله وضيافته واللحاق بمن سبقهم من الأهل في جنة عرضها السموات والأرض أعدت تعويضا لهم.
حديث مع أول رمضان بدون من ارتحل وارتقى وغادر ولحق وخلف من بعده من يفتقده في رمضان وهذه المرة في خيمة لا تقوى هي الأخرى سوى على مواجهة ظروف البعد المرير والعيش بانتظار النصر والفرج.
خيام وحديث يسكن الفؤاد في جوفها ومع من تبقى من أفراد العائلة الصغيرة والكبيرة والحي والحارة والجوار وبقايا الدار ومع جميع الذكريات من رمضان الماضي القريب للتو من انتظار غروب اليوم للإفطار مع لمة الجميع في حوش البيت وتناول ما قسمه الله من طعام لذلك اليوم وما كان على السفرة المتواضعة دوما كما هو الحال.
حديث الخيام في غزة اليوم قد يصوره رسم كاريكاتير، ولكنه حديث ينتشر عبر الآفاق ومع كل تنهيدة ولفظة وعبارة تخاطب جار الخيمة والجميع في العالم وتنادي: «أين أنتم يا بشر وأين وأين؟».
تفاصيل الحديث موجعة وكذلك ذكريات الشعور بالوحدة والفراق والعزلة والمواجهة، ولعل تلك النازلة تسجل في التاريخ على أنها من كانت شهادة على العالم أجمع وعلى صمتهم وموافقتهم على ما حصل دون أدنى ذرة من رحمة تذكر.
حديث يصل لجميع الأرجاء ويدق المسامع، ترق له القلوب وما في الكثير حيلة سوى الدعاء للذي له القدرة على الفرج والنصرة والرحمة وعلى تغير الحال وتقبل الشهداء وشفاء المصابين والجرحى وللقادر المقتدر على لم شمل المبعثرين في غياهب ظلمات البشر.
تكتظ الخيام بالكثير الكثير من أهل غزة في أول رمضان على وجه الخصوص والمعاناة والصمود والوجع والترقب والانتظار ريثما يصل الحديث لمن يعتبر ويرجع الناس إلى بيوتهم وإلى مستقبل مختلف ربما..!
fawazyan@hotmail.co.uk