الكاتبه الدكتورة ريما الشهوان في كتابها زوايا صغيرة تعطينا فكرةً عنها أديبة، وأيضًا ذات رسالة مجتمعية وذاتية، تريد أن تبثّنا إياها في مجموعة الخواطر التي تضمّنها الكتاب الذي يُشهر اليوم في مركز الحسين الثقافي برأس العين، ويشارك في قراءته متحدثون يتناولون مضامينه وأسلوب الكاتبة فيه.
وعلينا أولًا أن نشير بالمدح لهذه الأكاديمية الحاصلة على الدكتوراة، والموظفة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في أنها مكاشفة بظروف الناس وحياتهم وأفعالهم، ولذلك فهي ضميرٌ مجتمعي بامتياز، لكنّ الرسالة الاجتماعية والوعظية لا تأتي هكذا، فالكاتبة تدرك ما للأدب من أهمية وحضور في توصيل الرسالة، لذلك كشفت الخواطر في هذا الكتاب عن طاقة هائلة ومقدرة كبيرة في الذات الإنسانية وما تنطوي عليه هذه الذات من مشاعر وآلام وأحزان وتفكير بالمستقبل وخوف مما هو آت، واستعاده للأيام الجميلة، وربما تكون هذه الكاتبة قد وصلت إلى درجة من تسجيل كل شيء في ذاكرتها وإعادة كتابته على صفحتها على الفيسبوك مباشرة، أو بعد ساعات، ليكون ذلك طازجًا بطزاجة الحدث وأهميته، في ما تسمع وترى وتشاهد وتلتقط؛ فهي أديبة مطبوعة وأحيانًا تمزج اللهجة العامية بالفصيحة، لأنها تدرك أنّ اللهجة العامية لها حضورها في ألفاظ معينة وربما أسطر، أو فقرات معينة، لأهمية اللهجة التي لا تنازع الفصيحة بحال من الأحوال، وإنما هي مستمالة عنها أو منبثقة منها.
والكاتبة الشهوان لا تكتب مشاهدات عادية، وإنما تدرك أنّ الخاطرة ليست موضوعًا سهلًا يصف فيه الإنسان ما يراه ويسكت، وإنما هي بيان جمالي للذات وأيضًا فيه جغرافيا فكرية وفيه رؤية للمحيط والظاهرة قيد النقاش والتداول، لذلك تطلع الكاتبة كل فترة أو يوميًّا على جمهورها الإلكتروني أو عائلتها الإلكترونية، كما أسمتهم في الكتاب، بهذه الشذرات، حيث الخاطرة لديها تساوي فقرة أو فقرتين، ومعنونة بعنوان لافت، وتشتمل على كنوز من الأدب واللغة الموشاة بالصور والتشبيهات والاستعارات، والأشعار والتراث، فهي كاتبة مثقفة لا تأتي هكذا لتقنعك بالفكرة، وإنما تمهد لك بتسلسل الفكرة دون أن يكون هذا التسلسل علميًّا بحتًا، لأنها تعلم أهمية تلقائية الكاتب ورؤيته وصدمته المتلقي بما يكتبه حيال هذه الظاهرة أو تلك، فلديها أسلوب ماتع في المكاشفة، حيث تدخل في الخواطر العائلة والشارع وتدخل الوظيفة ويدخل البيت والأيام الماضية والحياة الجامعية، وحتى الطفولة والسفر والعيال حينما يكبرون، والذكريات الحزينة والدموع الآيلة للانهيار أو التي انهارت فعلًا والظروف المحيطة، وكل ذلك في خلطات تصبح فيها الدكتورة ريما الشهوان ضميرًا حيًّا ووجهًا ناصعًا للمثقفة الأردنية التي نقرأ لها كل يوم ويسعدنا أن نمرّ على صفحتها مرورًا لا افتراء في ما تكتبه ولا اغتيالًا فيه لشخصية أحد، وإنما هي التمنّيات واللطائف المدعمة بالشعر والمثل الشعبي والحكاية وما يفرح الناس، وحتى في أشد الحالات مكاشفةً نجد أنّ هذه الكاتبه مؤدبة وخلوقة، وربما تكتم ألمًا في نفسها خشية أن تغتال شخصية أحد أو تؤذيه بالكلام أو بالإشارة أو بالنقد، حيث النقد هو عام ونستفيد منه جميعًا ونقرأه، وهناك ظلال للكلمات ورمزيات معينة قرأتها في الكتاب الذي أهدته إليّ وأعتقد أن كل قارئ لهذا الكتاب لن يفرغ منه إلا بعد أن يكمله، من الإهداء الشفيف حتى 'الانطفاء الأخير' في آخر محطة أو خاطرة من خواطره.
أحاسيس مسجوعة
تدخل في الكتاب قصص حزينة ووصف دقيق للمشاهد، وهذا الوصف أحيانًا يصل إلى درجة المقامات، كفنّ أدبي تراثي عربي في الكلام المسجوع الذي يروي حكايةً، وهذا يبيّن أنّ لديها قدرة على ذلك، وأنّ تلقائيتها في نقل ما تكتب على الفيسبوك إلى الناس لم تتدخل فيها كثيرًا وتركتها كما هي، لأنها تؤمن بطبيعية الكتابة والأحاسيس والمشاعر ومكاشفة الجمهور الذي قلنا إنه يشكّل عائلة إلكترونية لها، إضافةً إلى عائلتها التي مدّتها بكلّ أسباب القوة والحياة الأدبية القوية، منذ الصفوف المدرسية الأولى وحتى في الوظيفة، وهي تلتقط في ذلك المسار من بيتها إلى الوظيفة، أو إلى المنتزة أو الحديقة، أو إلى الجامعة التي درست فيها، كلّ هذه الأحاسيس، فتكتبها، والمرء يوثّق أحاسيسه وأحلامه وطموحاته، حتى إذا جاء زمنٌ وجدها حاضرةً أمامه، وضرب كفًّا بكف على ما فرّط في الماضي القريب، أو ما أنكر ذاته لأجله، ثم تبيّن له سفاهة الرأي منه، ربما، أو أنّه استعجل استعجالًا يندم عليه في القول أو القرار.
وللكاتبة ريما الشهوان خصائص أدبية ذات أسلوب يبتعد عن التلقين والكلام المباشر إلى التلقائية في الطرح، التلقائية الخارجة من القلب والتي لا تكون كلامًا بلاستيكيًّا بروتوكوليًّا موشى بـ «افعل ولا تفعل»، أو «قل ولا تقل»، لأنّ الناس تريد أمزجةً خاصةً في التعامل معها، وتحتاج إلى من ينبهها، ولكن بالحكاية الطريفة، والقصة الظريفة، والأساليب الحصيفة، والنيه الطاهرة النظيفة، لكي تصل إلى المبتغى، ولذلك هي تدخل إلى جانب رسالة الدكتوراة، وإضافةً إلى عملها في برامج وزارة الأوقاف، وقد درست الشريعة في الجامعة الأردنية،.. تدخل إضافةً إلى ذلك، أديبةً، وكم من دارسٍ للشريعة كان شاعرًا مُفلّقًا، وكان قاصًّا وأديبًا، وهذا لا يمنع من أن تلتقي التخصصات وتفرز هذه الإبداعات، إذا ما علمنا أنّ للموهبة دورًا كبيرًا فيها، وأنّ للعائلة أساسًا في مدّ هذه الكاتبة بما تحتاجه، خصوصًا وأن ذكريات المدرسة والطفولة والشقاوات البريئة والذكية التي استنسخت على يد أبنائها، وكانت تقوم بها، كانت كفيلةً بأن تجعلنا نبتسم بلطف ونهدي إلى أنفسنا عيوبنا، ونحن نقرأ لها في هذه الخاطرة أو تلك.
مقومات أدبية
والكاتبة الشهوان مؤهلة لأن تكون روائيةً، أو شاعرة قصيدة نثر، أو أن تكون باحثةً في التراث والأغنية،.. لأنّ كلّ هذه التخصصات كانت تظهر في أسلوبها في الكتابة، وأحيانًا كانت المفارقة الساخرة أمامنا ونحن نقرأ لها في هذا المقطع أو ذاك، وأحيانًا كانت التوقعات بنتيجة الخاطرة لا تكون كما نريد استجابةً لما يدرّسونه في الجامعات من كسر التوقع والمفأجاة في النهاية وسؤالها، لذلك فهي تمثّل إبداعًا نسويًّا جميلًا وأنها تنبّه على قضايا ربما تصل إلى درجة الخطورة في ثقافتنا وتعاملنا وجرائمنا البيضاء التي نرمي بها بعضنا دون أن ندري أو ربما عن قصد في كثيرٍ من الأمور.
وأنا أقرأ الخواطر، وجدت صورًا شعريةً وعبارات من البيئة الأردنية، ووجدت صورًا تكتبها كاتبة شغوفة بالبادية والطبيعة والذات الأردنية الأصيلة في قهوتها وخيولها وبساتينها وآفاقها، ولذلك فإنّي أشدّ على يدها في هذا، وأحترم المثل الذي تضمّنه خواطرها، في بثّ نصائحها وانفعالاتها تجاه المواضيع.
برز الأسلوب القصصي عند الكاتبة الشهوان، وربما تتسابق إليها الإذاعات يومًا ما، قريبًا أم بحسب همّتها في ذلك وهمة الإذاعات أيضًا في التفتيش عن أبنائنا وبناتنا المبدعات.
الأسلوب القصصي
وهذا الأسلوب القصصي هو أسلوبٌ جميل يمنع عن النفس جفافها وشعورها بأنّ الكاتب إنما يُملي على المتلقي ما يقوله إملاءً، لأنّ الناس مغرمة بأن يتحدث أحد باسمها وينوب عنها في ما تعيش. فهذه الأساليب اللغوية كانت متضمنة في ما تكتب من قصص وخواطر، إذ اشتملت على تراجيديا وأحزان وكتابات ساخرة وكوميدية، ومونولوج وحوار، وفي كلّ ذلك كانت طقوس رائعة تبنّتها الكاتبة الشهوان، وهي الباحثة والموظفة، كما في الاعتداد بمكتبها في وزارة الأوقاف وهو تفوح منه رائحة القهوة التي تحضّرها وتشتريها وتطحنها وتحمسها وتضعها برفقتها كلّ يوم نحو مكتبها، فهي تمثّل الثقافة الأردنية الجميلة، فنحن نحترمها في ذلك.
أستعيد ما قرأته في هذه الخواطر دون أن أتقصد الكتابة عن كل خاطرة، لأنّ المجال يضيق عن ذلك، وأفهم أنّ التقاطة الكاتبة مثلًا لشجرة معمرة أمام وزارة الأوقاف، كشجرة ينخرها السوس من داخلها ويأكل قلبها، ثم تقف هذه الشجرة شامخةً لا تعبأ بما حولها، ولا بمن يأكل داخلها، وهذا إسقاطٌ على الذات، فالكلام الأدبي يحمل الرمزية ويحمل ذواتنا إلى الآخر، الشجرة هنا ليست فقط الشجرة الخضراء المورقة التي نخشى عليها من المنّ والسوس من داخلها، وإنما هي الشجرة/ الإنسانة، تتأملها كاتبة بكامل قوتها ورونقها وهي تأتي هموم من داخلها لتحرّك فيها ضعفًا، ومع ذلك تظل الأشجار واقفة، وصدق الشاعر الأمير خالد الفيصل «دايم السيف» حينما قال بأنّ الأشجار تموت واقفة'يموت الشجر واقف وظلّ الشجر ما مات».
وفي الخواطر، تنبّه الكاتبة إلى أنّ مكاشفتها لا تعني ضعفًا في شخصيتها أو سذاجةً، فهي تؤكّد بأنّها ليست ليّنةً أو سهلة وليست بريئة لدرجة عدم المعرفة، وإنما هي قوية وتحاول أن تكون في منتصف المسافة، وما أجمل قولها «حينما أتوارى عنكم وراء الحجب، فاعلموا أني لست بخير، فأكرموني بصمتكم، وإن رأيتم أني أنشر «ستوريات» عن الفرح والسعادة والحب والإقبال على الحياة، فأكرموني بحسن ظنّكم»... حيث «ستوريات» جمع لكلمة أجنبية بلهجة شعبيّة، أرادت أن تكتبها هكذا لتعبّر تعبيرها القويّ وهي توضع أمام الناس، بإدراك أنّ التعبير القديم لم يعد نفسه التعبير الأدبي لدى شبابنا، فلم يعد مزوّقًا أوتعبيرًا جافًّا لا طائل في المعنى من ورائه، فاللفظة عند الكاتبة الشهوان، مثل بيت الشعر مثل المثل الشعبي لكلٍّ مؤداه لدى جمهورها على صفحات السوشيال ميديا أو التواصل الاجتماعي.
اللهجة والذات
وهذا مهمٌّ جدًّا في كتابة الخاطرة التي هي تعبيرٌ ذاتي، وإلا لمكث الكاتب ليله ونهاره وهو يدبّج ويصنع ويحرك ويضبط ويشكّل حتى تتحول القطعة التي يريد توصيلها للناس إلى تمثال صلب غير مريح ولا ماء فيه كمادة أدبيّة، في حين أنّ التلقائية والبساطة إذا دعمت بأسلوب أدبي جميل وبصمة للكاتبة كان ذلك رائعًا في السبك والاختصار والأسلوب القصصي والسجع واختيار الأساليب الجميلة والحوار.
وتذهب الكاتبة الشهوان في خواطرها إلى الأغنية الدالة الشعبية، وما أجمل تعبيرها في إحدى خواطرها «ما اطيح من هزَّه ولا تهزّني ريح»، والكلمات هي لصديقي الشاعر الإماراتي الكبير علي الخوار، ومن غناء الفنان العملاق حسين الجسمي، وهذا انعكاس لشخصيتها وقوتها، أمّا موسيقاها فتعمل على الطرب والشجون، وهي تأتي على مستفعلن/ مستفعلن/ فاعلاتن، أي على البحر المسحوب لدى شعراء القصيدة النبطيّة أو الشعبية، حيث يدخل القمر في علوّه والجبل في عليائه، فهما يمثلان الكاتبة في نهاية الأمر، في أسلوبها وثقتها بذاتها في هذه الحياة.
وقوف الشجر
فهي أشعار تغذّي بها خواطرها الجميلة، وكثيرٌ من الناس هم أشجار ينخرهم السوس، ولكنهم واقفون وشامخون، أمام مسؤولياتهم وهمومهم وعيالهم، وربما شجره وزارة الأوقاف هذه ستشهد انتباهةً من خلال هذه الكاتبة للأدباء والكتّاب والناس، وربما تعمد الوزارة نفسها إلى الالتفات إليها،بالمعنيين الزراعي والأدبي، فهي أشجار إنسانية، في النهاية.
أمّا مفهوم «الزاوية» ودلالته،كعنوان، فربما أحالنا إلى المعنى الهندسي الضيق في مساحته، أو المفهوم النفسي أو الصوفي، وحتى في الصحافة هناك كتاب الزوايا والأعمدة، والمهم أنّ لهذه الكاتبة مشروعها الذي تكاشف به القارئ ولا تكتب خلاله من فراغ.
أحيانًا ربما تعاتب الكاتبة القلم وتحاوره، وأحيانًا نراها ترسم صورًا حزينة لكلاب تفوّقت في المتنزهات والحدائق بحضورها ورعاية أصحابها، في نقد احتماعي ربما يصل حدّ الإيلام، كمفارقة، وإسقاطات خاصة بالرمزية وظلال المعنى، حين تفتح الكاتبة صفحاتها على الغربة وحطام الأرواح وانكسار الأشرعه وخيبة الظنون، وتجاعيد الزمن.
تشتغل الكاتبة الشهوان على السجع، كما في «نهفات من زمن الكورونا»، وهي فترة ليست بعيدةً عنا، فحين يأتي السجع جميلًا وخفيفًا ويحمل الفكرة دون تقصّد إلى السجع بذاته، فهذا يدل على قوة الكاتب ومهارته في أسلوبه، وهي التي تأخذ عباراتها من أيّ إنسان أو فتاة أو من وظيفة أو شارع أو مسار مزدحم بالسيارات، وربما علينا أن نحذر منها في نقل ما بأنفسنا على شكل خواطر تصلح لأن تنبّه فينا الصوت النائم منذ زمن.
من ألفاظها «امبارح»، التي تمثّل اعتزازًا بالذات واللهجة، فهل هي عاجزة عن فصحنة الألفاظ؟!.. بالتأكيد هي ليست كذلك، بدليل أنّها متعلمه وأكاديمية، ولكنّها تدرك قيمة أن تلقي بالمثل الشعبي كما هو على طبيعته ليؤدي المعنى الذي تريد.
ومن خواطر الكاتبة ما يستند إلى علوم الفيزياء والطب وبقيّة العلوم، لتؤدي غرضًا أدبيًّا ونصيحة ما، كما في حوارها مع ابنها حول اللسان وما يشتمل عليه من أجزاء، كل جزء منه يحسّ بطعم معين في الحلاوة والملوحة والمرارة، أمّا المرارة، فلا ندركها إلا في آخر اللسان حينما تكون اللقمة قد ذهبت واستقرت، وهذا معناه أنّ مرارة الإنسان لا يمكن أن تنسى، وقد مكثت في داخله وسكنت، وهذا من قوة التشبيه وفلسفة الأشياء ومرارة التجارب والأيام.
فلذات الأكباد
في الخواطر، كانت الكاتبة مع مربع الفؤاد، أو الزوايا الأربعة، فلذات الأكباد، لتبرز صورة الأم الحنون المعطاءة الناجحة الصابرة والمثابرة، ومتدولة الأيام والسنين، حين ترسم مسافات بين الأمس واليوم، وما أقربها، حين يكون الأطفال أشجارًا باسقة بلمحة عين، والمؤلم أنّهم حين يكبرون نكون نحن قد كبرنا، فهي معادلة عمرية في أنّ الأدباء لا يريدون للزمن أن يتحرك، ليبقوا على شبابهم، فعلى فرحتهم بأعمار أبنائهم يحزنون للشعرة البيضاء التي تتخلل عوارضهم كزائرة غير مرحّب بها تجلب معها المزيد من الزوار.
أحيانًا تأخذ الكاتبة من قصص الأولين، وربما تأخذ من قصص الصحابة، أو شطور القصائد أو ما يشبه الشعر، كما في قولها «فإنما يأسف على الحب النساء»، وتصل في موضوع الحبّ والكره إلى تناقض في المشاعر بأعمار الأبناء ولحظاتهم، وفي بعض الخواطر، تلقي الكاتبة الشهوان بعبارة نازفة لظروف ماحقة، كما في قوّة الزمن الحالي ومهارة لابسي الأقنعة فيه، ومن يؤدون الأدوار الهزلية خلاله.
فالخواطر بهذا، محاكمة ذاتية أو نفسية، وهي بمواضيعها تلخّص لنا الحياة بكاملها، فنحن غدًا أو بعد غدٍ أمام رمضان، والكاتبة الشهوان مرّ عليها كثيرٌ من الرمضانات، ومرّ عليها كثيرٌ من أيام المرأة العالمية، وبالتالي فهي تكتب عن كل هذه الظواهر والأيام والمناسبات كتابةً صادقةً لما تمر به من أحداث، خصوصًا وهي تستغلُّ حتى أزمة السير في رمضان، لتبين خصوصية المرأة في السواقة، وكبير السن، والشخص الخلوق، وما إلى ذلك، وأحيانًا تكرر لازمة «ما علينا»، لتجاوز الفكرة والذهاب إلى فكرة أخرى ليكتمل النص.
ثقافات الناس
أحيانًا تنتقد الشهوان الحريات المجتمعية المقموعة بفعل الفهم الخاطئ، وثقافات الناس، حيث يأبى هؤلاء الناس إلا أن يسيؤوا لإنسانيتهم وإنسانية أبنائهم على سبيل المثال، كما في خاطرتها التي تصف بها بعض المتنزهين في وسط مليء بالناس ينصبون خيمةً مغلقةً عليهم من كل جانب، فهي تتساءل طالما أنّهم يحبون الجلوس وحدهم لماذا ينصبون الخيمة في مكان عام يضجّ بالناس؟!.. ومعنى ذلك أنّ هناك عقليات ما تزال في تقوقعها وتخشى الناس. وفي خواطرها، ربما نقرأ ما تكتبه الشهوان وتستدّل به من قول عن ميخائيل نعيمة، مثلًا، الذي كتب بعد ثمانين عامًا وصيته «اتركوا باب الضريح مفتوحًا لعلها تأتي»، فقد كان على حب.
وحين نعي مع الكاتبة هذه الإنسانيات والشذرات التي تنمّ عن نفس زكية وامرأة قوية تحب الحياة والناس، نتساءل معها عما سيأتي وعمّا فات، وحتى عن الأعياد: هل يمكن أن نحصر العيد والذي تسميه الكاتبة «يوم جبر الخواطر» بمعايدة بسيطة، وما قيمة المشاعر المصطنعة أو المعايدة العابرة أو المجاملة الكاذبة، وتوجه حديثها للنساء: اصنعي عيدك بنفسك، تزيّني للعيد، تعطري، اصنعي حلوى، عطري بيتك، اصنعي قهوتك، وسيكتمل عيدك؛ كفاك انتظارًا. هذه الكلمات توجّهها الشهوان لكلّ فتاة انتظرت معايدة من أب أو أخ أو ابن أو زوج أو ممن خذلها ولم يأت، في يوم جبر الخواطر، كعبارات حزينة ومؤلمة تجبرك على أن تضرب كفًّا بكف وتصلح من أخطائك وتذهب سريعًا لتجبر حظّ المكسورين والعاثرين، كما أنّها تفرح بالمؤنسات الغاليات، البنات، مرآة النفوس وأساس الحياة.
في إحدى انتقادات الكاتبة الشهوان، نراها تنتقد أقوالًا عامة نتداولها ونحن لا ندرك قيمتها وتشبيهاتها الرديئة من العوامّ في تعبيرهم عن الحب والعاطفة، وهي تعابير حديثة ليس فيها لباقة، وبحسب ما تروي الكاتبه، يتغزل أحدهم بحبيبته، واصفًا أنّ البنات فلافل بينما هي وحدها شاورما، وهذا كلام مضحك من عاشق آخر الزمان، حيث توجه خطابها له وتقول: أتعبت العشاق من بعدك أيها العاشق، وأسأل الله أن لا تشبع من عشقك للشاورما، حتى لا تشبع أيضًا من حبها وتملّها سريعًا!
امرأة تقول إنّها «ستة في واحد»، أي: أم وزوجه وموظفه وربة بيت ومعلمة ومربية، لا تنسى أن تستعير من أم كلثوم بيت الشعر المغنى «اعطني حريتي أطلق يديّا»، في «آه من قيدك أدمى معصمي»، مخاطبةً كوكب الشرق أم كلثوم بأنّ القيود ليست فقط قيود المعصمين، بل قيود ذهنية وقيود على الحرية والجوارح تمنع الإنسان حتى من التعبير عن رغبته في التحرر من القيود الذهبية.
يوم المرأة العالمي
تكتب الشهوان للمرأة في يومها العالمي، مستأنسةً بقول ميكافيلي، وهذا يدل على ثقافتها، لأن حزن النساء عميق وجرحهنّ غائر، فالرجل الذي أسعد امرأةً كانت حزينةً فعل شيئًا عظيمًا كأنما قتل كل الحزن في هذا العالم.
تتمثل الكاتبة بشجرة الأرز التي تعيش مئات السنين وتحميها مرارة زيتها فتبقى قوية، والشجرة هي المرأة أو الإنسان بعمومه. أحيانًا يتحاور القلب وهذه المضغة اللينة الطيبة التي هي «القلب»، هو يريد الانطلاق وهي تكسّر مجاديفه، هو يسعى للعلا وهي تعيدة لنقطة الصفر، وأحيانًا تقرأ ثقافة المجتمع في نشأة الأبناء على أنّ الرجل لا يبكي ولا حتى يفضفض لمن حوله بهمومه لأنّ ذلك ينتقص من رجولته، لذلك تنصح بوسطية المشاعر، حتى ننتج شبابًا قادرين على أن يكونوا رجالًا وقت الشدائد ولطفاء وقت الرغائب.
التأثر بالقرآن
تأثرت الكاتبة الشهوان كثيرًا بالقرآن الكريم، في ألفاظه، وهذا يدلّ على نشأتها الدينية ودراستها الأكاديمية: «هذا قلبك يكاد يضيء وإن مسته نار الغدر والخيانة»، ومثل ذلك رحلة سيدنا إبراهيم الفكرية عليه السلام، وغراب هابيل وقابيل، وغير ذلك. ومن تناقض التمرجية والممرضين والأطباء نصائحهم بأخذ الدواء على معدة مليئة، في حين يكتبون على الروشيته يؤخذ قبل الأكل. أحيانًا تخرج الكاتبة على السائد في تداول الأمثال والأقول ولكن بمفارقة لطيفة «لن أعيش في جلباب أمي»، فلا ضير لو جددت مواكبةً للعصر ببعض الإكسسوارات و'الكلف»، ليس خروجًا على تعاليم الأم، ولكن تجددًا مع الزمن وحفاظًا على الجوهر، حين يضيق عليها رداء الأم.
أخيرًا يكون «الانطفاء الأخير»، وما أجمل التعبير حين ينطفئ المرء ويخبو ضوءه وتغيب شمسه كعنوان جميل يحيل إلى كثير من الجماليات، حيث الحديث عن الطقوس والمشاعر المكابرة لكي لا نظهر الضعف، تمثيلية هي فيها المخرج والبطلة وكاتبة السيناريو، التي فقدت الإحساس بكل شيء، فلا رغبة لديها للبدء من جديد!..'أصبحت أخشى الفقد، أخاف من الخذلان أحتاط من الخيانة، تشابهت الوجوه وتكررت المواقف، فلم أعد أنتظر ذلك الضوء الذي ينتظرني آخر النفق».