مناسبات

لماذا نخاف من انقراض الفصائل الحية؟

يركز كتاب The inconvenient truth لمؤلفه آل غور، المرشح الأسبق للرئاسة الأمريكية، على قضية تغير المناخ وتأثيرها على عناصر البيئة في ارتباطاتها الوثيقة والمصيرية ببعضها البعض. ويضرب مثلا على أن فقس شرانق الذباب والفراشات بات مبكرا بفعل ارتفاع معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض نتيجة التغير المناخي، فيناقش في المقام الأول العواقب الأوسع للاحتباس الحراري وارتفاع معدل درجات الحرارة والتغيرات البيئية ذات الصلة، حيث عندما تفقس بيوض الطيور في موعدها المحدد من كل عام لا تجد الأمهات ما تطعم به صغارها من حشرات.

ويمكن أن يكون لانخفاض أعداد الحشرات أو انقراض بعضها، بما في ذلك النحل، عواقب وخيمة على النظم البيئية والزراعة. إذ تؤدي الحشرات دورًا حاسمًا في التلقيح، وبدونها لن تتكاثر العديد من النباتات. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض المحاصيل الغذائية، مما يؤثر على السلسلة الغذائية بأكملها. بالإضافة إلى ذلك، تساهم الحشرات في إعادة تدوير المغذيات ومكافحة الآفات، وبالتالي فإن غيابها يمكن أن يعطل النظم البيئية والزراعة وانتشار الأمراض بطرق مختلفة.

ويقدم آل غور في الكتاب أدلة وبيانات علمية لتسليط الضوء على حقيقة تغير المناخ وعواقبه المحتملة على كوكب الأرض. ويؤكد على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة القضايا البيئية، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، والتخفيف من آثار تغير المناخ. إذ سيكون لانقراض الطيور، مثلا، عواقب بعيدة المدى على النظم البيئية، فاذا فقدت حلقة واحدة من سلسلة التنوع الحيوي انهارت السلسلة بأكملها. إذ تساهم الطيور في تلقيح الأزهار، ومكافحة الحشرات، والحفاظ على التنوع البيولوجي.

كما تؤدي الطيور دورًا مهما في نثر البذور، فقد تأكل الفاكهة ثم تنقل البذور إلى مواقع بعيدة مختلفة من خلال فضلاتها. وهذا يساعد على تجديد الأنواع النباتية. إذ يمكن أن يؤدي تراجع أعداد الطيور إلى تعطيل آلية انتشار البذور الطبيعية في المعمورة. وقد يؤدي غيابها إلى تعطيل هذه الوظائف البيئية، مما يؤثر على تكاثر النباتات، وبالتالي يضطرب توازن أنواع الفصائل الحية المختلفة التي تعيش في ظلالها.

بالإضافة إلى ذلك، يعتمد البشر كما تعتمد العديد من الحيوانات، بما في ذلك الحيوانات المفترسة، على الطيور كمصدر للغذاء. وبشكل عام، سيكون لانقراض الطيور آثار متتابعة، مما قد يؤدي إلى اختلالات وتحديات في الحفاظ على النظم البيئية صحية سليمة. لذلك أضحت جهود الحفاظ على التوازن البيئي في الطبيعة ضرورية لمنع مثل هذه السيناريوهات الكارثية كانقراضها.

ويمكن أن تؤدي الطيور الجارحة دورًا حاسمًا في الحفاظ على التوازن البيئي، فالصقور والبوم والعقاب وغيرها هي من الحيوانات المفترسة العليا، وهذا يعني أنها في الجزء العلوي من السلسلة الغذائية. فهي تساعد في السيطرة على أعداد الحيوانات الصغيرة، مثل القوارض والأرانب، عن طريق افتراسها. ومن دونها يمكن أن يرتفع عدد هذه الأنواع من الفرائس، مما يؤدي إلى الرعي الجائر، وتدهور الموائل، ونقص الموارد، ويزيد من انتشار بعض الأمراض بين الحيوانات الصغيرة، مما يؤثر على الصحة العامة للنظم البيئية.

ويمكن أن يكون لفقدان الثعالب تداعيات بيئية مهمة، لأنها تؤدي دورًا في السيطرة على أعداد الثدييات الصغيرة مثل القوارض والأرانب. فمن دون الثعالب، قد تشهد هذه الأنواع من الفرائس زيادات عددية، مما يؤدي إلى اختلال التوازن في النظام البيئي. بالإضافة إلى ذلك، تعد الثعالب أنفسها جزءًا من السلسلة الغذائية، فقد يؤثر غيابها على بقاء الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة التي تعتمد عليها في لقمة عيشها. وتعد جهود المحافظة عليها حاسمة للحفاظ على التنوع البيولوجي والتوازن البيئي داخل النظم البيئية.

تميل النظم البيئية المتنوعة إلى أن تكون أكثر مرونة في مواجهة التغيرات البيئية. إذ يضمن التنوع البيولوجي العالي قدرة بعض الأنواع على التكيف مع الاضطرابات، مما يساعد النظم البيئية على التعافي. ومع انخفاض التنوع البيولوجي، تصبح النظم البيئية أكثر عرضة للآفات والأمراض والأحداث المتطرفة، فيمكن أن يؤثر فقدان التنوع البيولوجي على إنتاج الغذاء وأمنه. إذ تؤدي الملقحات، مثل النحل، دورًا حاسمًا في العديد من المحاصيل الغذائية. ويمكن أن يؤدي انخفاض أنواع الملقحات إلى انخفاض الغلال وزيادة الاعتماد على مجموعة محدودة من المحاصيل، مما يجعل النظم الغذائية أكثر عرضة للصدمات.

يؤثر فقدان التنوع البيولوجي على انتشار الأمراض. ويمكن للتغيرات في وفرة بعض الأنواع، بما في ذلك تلك التي تعمل كمضيف أو ناقل للأمراض، أن تغير ديناميات المرض وتزيد من خطر انتشار الأمراض من الحياة البرية إلى البشر وفقدان التنوع الجيني، الذي يجعل السكان أكثر عرضة للأمراض والتغيرات البيئية، ويقلل من قدرتهم على التكيف مع الظروف الجديدة. وهذا بدوره يعرض للخطر بقاء الأنواع على المدى الطويل، ويؤثر على أداء الخدمات الصحية والتكنولوجيا الحيوية، فالعديد من الأدوية ومنتجات التكنولوجيا الحيوية مشتقة من مركبات موجودة في كائنات حية متنوعة. لذلك يحد فقدان التنوع البيولوجي من توافر هذه الموارد، مما قد يعيق الاكتشافات والابتكارات الطبية المستقبلية.

وهناك أثر الانقراض الثقافي والجمالي، فللتنوع البيولوجي أهمية ثقافية لأنه مصدر إلهام للفن والفولكلور والتقاليد. ويمكن أن يكون لفقدان الأنواع المميزة، أو التغيرات في المناظر الطبيعية، تأثيرات ثقافية وجمالية عميقة على المجتمعات، أو ربما يكون لفقدان التنوع البيولوجي آثار اقتصادية، خاصة بالنسبة للصناعات التي تعتمد على الموارد الطبيعية. إذ يمكن أن تشهد مصايد الأسماك والغابات والزراعة انخفاضا في الإنتاجية، مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية، وتؤثر على سبل عيش المجتمعات وفقدان الفرص الترفيهية والسياحية.

وتساهم النظم البيئية المتنوعة بثرائها وجمالها وتنوعها، بما في ذلك المتنزهات والمحميات الطبيعية، في توفير الأنشطة الترفيهية والسياحية التي تجعل الناس أكثر سعادة وطمأنينة. وبالمقابل، يمكن أن يؤدي تراجع التنوع البيولوجي إلى تقليل جاذبية هذه المناطق للبشر، مما يؤثر سلبا على السياحة، ويحرم الناس من فرص الترفيه في الهواء الطلق، ويزيد من التوتر، والاضطرابات النفسية، والتشاؤم من الحياة.

خلاصة القول إنه من المهم أن نلاحظ أن هذه الأمثلة توضح الترابط الوطيد بين الأنواع المختلفة للفصائل داخل النظم البيئية. إذ إن انقراض أي نوع رئيسي يمكن أن يكون له عواقب وخيمة بعيدة المدى، مما يؤدي إلى تعطيل التوازن الدقيق الذي يدعم التنوع البيولوجي، وبالتالي نفقد خدمات النظام البيئي مثل تلقيح المحاصيل، ونشر الأنواع، وتنقية المياه، وتنظيم المناخ، الأمر الذي يؤثر على غلال الزراعة، وجودة المياه، واستقرار المناخ، وبالتالي القدرة على مواجهة التغير المناخي الذي يعاني منه العالم اليوم.