رأيته يقف بجانب باب أحد الأسواق الكبيرة ولن أقول (مولًا). يرتدي طاقم موظفي السوق ويعلق شارته على جيب المعطف. كان يدخّن لفافة من تبغ... ستّي وستّك، أي من النوع الذي يثير سحب الدخان لتتسرّب إلى (نخاشيش) رئتيك لتستوطن هناك. لعن الله الاستيطان والمستوطنين فمنهم الأذى.
كنت أهم بدخول السوق عندما (شفط) الشاب قعر السيجارة... أخذًا نفسًا طويلة كأنه يودع حبيبة إلى قلبه تغادر بلا رجعة... حبس الدخان في رئتيه كأنه يتبارك به، ثمّ ألقى حفظه الله ورعاه بقمعة سيجارته الحزينة إلى خارج حجر الرصيف على الأسفلت حيث يقف. ثمّ وكأنه ينفّذ عن غيظه منها لأنها لم تدم أكثر... قام بهرسها بحذاءه يمنة ويسرى ومضى. نظرت إليّ القمعة كأنها تستنجد. هي لا بدّ وعت أنني إنسان لا يقبل الغلط ولا الضيم ولا... يسكت عنها. (كثير غلبة).
قمت بمناداة الشاب؛ وكان قد دلف إلى دا خل السوق، سمعني أحد شباب (الطلبات) وكان يهم بالمغادرة، بادر الرجل للاستجابة إلى ندائي فقام بالدخول ومناداة الشاب. كنت متلفعًا قبعة شتوية ولفحة بسب البرد القارص. حضر الشاب وعلامات الاستفهام على وجهه. «العم ينادي عليك».. بادره رجل الطلبات. نظر الشاب «أبو سيجارة» نحوي وقال «إتفضّل...أيش بتريد؟».
بادرته «حضرتك كنت تدخن سيجارة وألقيت بـ(قمعتها) على وجه الطريق... ليش يا عمّو؟!». لم أحاسبه على شكوى القمعة من (الهرس) الذي لحقها من حذاءه. نظر إليّ ببرود المستنكرين وأشار كمن (جاب راس كليب) إلى ثلاث قمع لفظت أنفاسها وألقيت من قبل آخرين غيره على وجه الطريق «شوف ما هيّ غيري بيرمي قمعه على الأرض!!».
أشرت بيدي على صندوق نفايات موضوع على طرف باب السوق، من النوع الذي يمكن إطفاء أعقاب السجائر في جزئه العلوي وقلت بلطف زائد لم أعهده في نفسي في مثل هذه الأحوال..."يا عمّو صندوق النفايات يبعد عنك مترا ونص، لماذا لا تستعمله بدلًا من تشويه منظر مدخل السوق، والتسبب في المزيد من الصعوبة لرفيقك عامل النظافة في التقاط هذه القمع خاصة(المهروسة المفعوصة) في وجه الأسفلت وإلحاق الأذى والضرر به؟!».
"يصطفل....زيّي زي غيري!!! شو بدي أقيم الدين في أرغنداااا. (يقصد مالطا)."كم عمرك يا عمّو؟»، «تسعة وعشرون عامًا... ليش بتسأل؟!» أزحت اللّفحة التي كانت تغطي وجهي و(شلحت) طاقيتي التي كانت تتدلى تحت أذني. شهق رأى أمامه رجلا في مقام والده مع شيب يغطي بقايا شعرات أستفيء بها من تهمة الصلع. خفف من لهجته وباتت نظراته أقل حدّة. «يا عمّو أنت في مقام ابني؛ هل تقبل أن تشوّه مدخل بيتكم و وجهه؟!، هذا هو الوطن وطنك بيتك... هل تقبل بأن يشوّه وجهه أحد؟!». «ثمّ لو كان غيرك على خطأ... هل ترضى بأن تكون إمّعه فتتبع خطاه؟!، أنت شاب ما شالله عنك لك شخصيتك التي تشي بأن لك شخصية مستقله ويبدو من محيّاك أنك شاب على خلق ومثلك هم عماد الوطن».أحرج الشاب ونظر إلي باحترام وحرج «باعتذر منك يا عمّي» و بادر بالانحناء والتقاط القمعة الشبهة ووضعها في صندوق القمامه.شكرته.
كنت في قمة سروري كون هؤلاء الشباب الذين يخطئون ويتصرفون بشكل غير مناسب هم شباب وطنيون يحبون وطنهم ويغارون عليه فقط.... هم يحتاجون للنصح من المهد من العائلة مرورًا بالمدرسة فالجامعة. قبل أن يغادر الشاب ألموقع ؛ لفت انتباهي ما كتب على الشارة التي يحملها بجانب اسم السوق كانت كلمة...(ألأمن). حمدت الله وقفلت راجعًا فقد عدلت عن دخول السوق في تلك اللحظة.... «ما بدّيش مشاكل"!!.