كتاب

مجازر «رفح».. صفحة لن ينساها التاريخ

تعد المواجهات العسكرية بين الجيوش، سمة واضحة على جبين التاريخ، وبعد الانتهاء من فصول كلّ مواجهة وسدل الستار عن أسماءٍ ذهبت أدراج الأكفان، تخلّد الانتصارات أسماءً أخرى بصرف النظر عن دواعي المواجهات، ومن هو المنتصر أو المنهزم، وما هو الحصاد الذي جناه من انتصاره، حتى إنّ المواجهات الدامية سطرت لنا قتال الأخ لأخيه، والجار لجاره، فضلا عن العدوّ لعدوّه. وما هي سوى لحظات يمتلك فيها الإنسان القوة ممزوجة بنكهة الغطرسة وإذْ به يبني أحلامَه على حساب الضعيف.

وأما ما نعيشه هذه الأيام، فهي شيء آخر غير المواجهات العسكرية، فنحن نقرأ في غزّة فصولا من مسرحيات: الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، قتل المدنيين، التهجير القسري، تغيير معالم الأرض، الاعتداء على ممتلكات الآخرين، ترويع الآمنين، حتى إننا نقرأ: العبث في أمن واستقرار حياة المدنيين الإسرائيليين أنفسهم، فنحن أمام زوبعة أولها في تل أبيب وآخرها فوق السحاب.

وبعيدا عن الأيديولوجيات التي تعتبر واحدة من أسباب المواجهات واستعراض القوى، إلا أننا لن نجد كالإسلام والمسلمين نصاعة في إبداء السلم والسلام، والرأفة والاحترام للإنسان وحقوق الإنسان، وبعيدا – قليلا- عن عرض صفحات القوة والعدل من تاريخنا المجيد، تعالوا بنا نقرأ ما يحدث على حين غفلة من الإنسانية، ومع أنها تشاهد غزّة وكارثية غزّة إلا أنّ قوى العالم تغضّ الطرف عن لسان الحقّ في مساندة المستضعفين من المدنيين من النساء والأطفال، إن كان في غزّة أو في فلسطين عموما، ويمكنك أن تضيف إلى ذلك سجلًّا حافلا بالدماء والأشلاء في السودان وغيرها من مواطن الخلاف، لكن.. هنا رفح!!.

ففي حرب غزّة رأينا ما لا تصدّقُه مسامعُنا، وشاهدنا بأمّ أعيننا ما لا يخطر على خيالاتنا، وهل نحن أمام مخطط لا يعرفُ أخلاق مواجهات الشعوب؟ أم أنّ الجيش الإسرائيليّ المدجج والمدعوم بشتى سبل الدعم يريد أن يذكِّرنا بصفحات التاريخ الأسود الذي يقول لنا عن أبشع صور القتل، والتي حاول العالم إزالتها من ذاكرته المأساوية وهو يعيش في قرية صغيرة، وأمام ناظرَيْ الإنسان يرى مآسي أخيه الإنسان فيسارع إلى إنقاذه.

فما الذي أصاب ماكينة الاحتلال حتى أصبحت تشعر بهوس الدماء والأشلاء؟، ولماذا تهجير أهل الأرض من أرضهم؟. ولماذا إظهار العدوانية للإنسانية لهذه الدرجة؟. إنها أسئلة تتمحور حول شيء واحد وهو الانتقام من الذات.

فهل شَعَرَت إسرائيلُ وهي تتمدد بصولجانها والدعم العالمي منقطع النظير لها، أنها أمام زوال لا بد منه؟. فشعرت به من حيث لم نشعر، فراحت تنتقم من ذاتها عن طريق التقتيل لكل ما هو كائن حي، حتى إنهم يحاولون قتل الإنسانية جمعاء من خلال قتل مشاعرها كأقل القليل من المقدور عليه.

هنا رفح!!.. رأينا القناصة يقتلون النساء كبيرات السنّ، ورأينا الأطفال يقضون جوعا، والخدّج لا يجدون أدنى عناية طبية، ورأينا السجن المفتوح كأكبر سجن عرفته البشريّة، ففي رفح انعدم الفرح، وازدحم أهل الشمال الذين ساقتهم الطائرات والمجنزرات إلى المكان الآمن، وغدا يريدون تهجيرهم، ويكأنّ التاريخ سينسى الذين قضوا تحت الركام في غزة وخان يونس، واليوم في رفح!!.

على أعتاب الأمل في انقضاء هذه الحرب التي لم يجد الإنسانيون لها مسوّغًا في قواميس الحروب، ولم يجد السياسيون ملفات يمكن تداولها غير وقف حرب شعواء شعثاء، تدفع الأحرار عن بلادهم، وهم يطرقون باب السماء يدعون بالعدل والإنصاف، وعودة الأحياء إلى مدنها، وأما الأرواح فهناك سيكون الحساب في اليوم الآخر.

فيا أحرار العالم شكرا لكم على الوقوف مع غزّة.. وشكرا ألف مرّة في إيقاف شلالات الدماء في رفح.

Agaweed2007@yahoo.com