ما زلنا في وسائل اعلامنا المرئية والمسموعة والمكتوبة ووسائل تواصلنا الكثيرة اليوم نشير الى الوجود الاسرائيلي في الضفة الغربية والجولان على أنه «احتلال»، وهذه ببساطة اشارة مغلوطة ومغايرة للحقائق على الارض. وكذلك يفعل الاخرون من اصدقاء وغير اصدقاء في العالم كله، بطريقة لا تشي الا بعدم الاكتراث والتقاعس في التعامل مع أزمتنا المستعصية مع اسرائيل منذ نكبة 1948.
ولعل الايام التاريخية الحاسمة التي تمر بها منطقتنا اليوم وبؤرتها الساخنة «غزة»، تمنحنا فرصة نادرة لاعادة النظر في هذا الموضوع الخطير لتصويب الامور وتسمية الاشياء باسمائها الصحيحة، لا من باب الدفع الحجة بالحجة والمنطق فحسب، بل لبناء ردات فعل وخطط ومواقف تتلاءم مع ما يخبئه لنا المستقبل الذي اصبحنا بين يديه، وسحب هذا التصويب على مواقف وردود أفعال الدول المؤثرة والصديقة والهيئات الدولية مثل الامم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وغيرهما.
فالاحتلال يعني وجود جيش اجنبي في اراضي دولة اخرى بشكل مؤقت، دون احداث تغيرات جذرية على الارض وسكانها. اما اذا طال أمد هذا الوجود كما فعلت الدول الاوروبية وخاصة بريطانيا وفرنسا في افريقيا واسيا فهو الاستعمار البغيض!.
المرحلة الثانية الحاسمة في الصراع مع إسرائيل جاءت بعد حرب 67 المبيّتة، عندما تم الاستيلاء على أراضي ثلاث دول عربية مجاورة لها، فكان من المفروض ان ذلك الاحتلال العسكري المباغت لن يطول إذا تم تطبيق قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242. لكن مرّ اكثر من نصف قرن على استمرار وجود إسرائيل، خاصة في الضفة الغربية والجولان، تغّير كل شيء فيهما لصالح المحتل، في تحد سافر لحقوق وارادة أهل البلاد، وقرارات الهيئات الدولية الملزمة قانونيا. أي أن احتلال إسرائيل تحول بالتدريج إلى استعمار استيطاني مباشر، وشتّان ما بين الأمريّن!.
ففي الضفة الغربية اليوم تنتشر 144 مستوطنة أو قرية ومدينة بين صغيرة وكبيرة ومتوسطة الحجم، يقطنها بشكل دائم نصف مليون مستوطن يهودي، تربطهم بإسرائيل وراء «الخط الأخضر»، جملة مصالح نفعية متبادلة: تبدأ بالدعم المالي غير المحدود والحماية العسكرية، مقابل اصوات انتخابية للاحزاب الأكثر تطرفا. وهي تجمعات سكانية استيطانية تجاور القرى والمدن الفلسطينية، وتحيط بها وتستنزف ثرواتها المائية والزراعية والاقتصادية. وفي مدينة القدس التي ضمتها اسرائيل بقرار أحادي عام 1968 يوجد حوالي ربع مليون مستوطن يهودي. اما في الجولان السوري الذي ضمته اسرائيل عام 1981 بنفس الطريقة فهناك 32 مستوطنة يقطنها 25000 مستوطن بشكل دائم.
لنتذكر انه قبل حرب حزيران 67 كان هناك أمل حيّ ونابض في نفوس الشعب الفلسطيني ومعه كل العرب بعودة قريبة! لكن تلك الحرب القصيرة جدا وأدت ذلك الأمل، ليتحول بمجرد القبول بالقرار 242 الى اعتراف استراتيجي ضمني بوجود اسرائيل. بعبارة اخرى تحول الأمل في التعامل مع تركة نكبة 48، الى أمل منصب على مصير الاراضي العربية الجديدة المحتلة عام 67 تحت شعار «محو آثار العدوان'!.
لكن كل ذلك وغيره من المبادرات الدولية للتوصل لحل متوازن لم يمنع اسرائيل من المضي قدما في تنفيذ برنامجها التوسعي المعدّ مسبقا، جغرافيا واقتصاديا وثقافيا. بينما وسائل اعلامنا العديدة ظلت أسيرة الخلط بين الاحتلال والاستعمار، وبالتالي ظلت دون متناول أيدينا الوسائل التي تمكننا من التعامل الصحيح مع هذين النوعين المرّين من الاعتداء الستمر على الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفسطيني!.
واليوم ونحن نتابع فصول الملحمة التاريخية التي تسطر تفاصيلها بدماء الشهداء فوق ارض غزة الصامدة، يشع بصيص أمل جديد. أمل كان قد ولد ومات مرتين من قبل: مرة عشية حرب حزيران 67، ومرّة مع انطلاقة حرب 73. فهل يكون هذا الأمل الجديد هو الذي سيحسم مصير اشياء كثيرة، ليس أولها التمييز بين الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي؟.