يمكن لاسرائيل - اذا وضعت عقلها في رأسها- ان تحقق هدفا واحدا، وهو إعادة من تبقى من أسراها حيا لدى حماس، بعد وقفها لاطلاق النار وإتمام صفقة تبادل على أساس الكل مقابل الكل.
أما أهدافها التي تشتت، ولم يتفق عليها بين الساسة والعسكر فمصيرها سلة المهملات التي ستحوي ايضا اتفاقية اوسلو، والتعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية واسرائيل وغيرها من اتفاقيات.
الساسة والعسكر لم يفرقوا بين الرؤى الحالمة والاهداف والفرضيات من شدة الضربة التي وقعت على رؤوسهم من طوفان الاقصى في السابع من تشرين
الاول/ اكتوبر، والجيش الصهيوني يعي جيدا أن هناك اهدافا مستحيلة وضعها نيتياهو والمتشددون أمثاله لتأخير إنهيارهم السياسي المؤكد، بعد انتهاء الحرب، ووافق عليها بداية جنرالات الجيش الذين سيخضعون للمحاكمة العسكرية لتقصيرهم يوم الطوفان.
الاهداف الحالمة التي وضعتها اسرائيل لحربها على غزة، تقترب من الرؤية الحالمة التي وضعتها الحركة الصهيونية "حدود اسرائيل من النيل الى الفرات" والتي اضاف لها بعض المنظرين "ان حدود اسرائيل حيث يصل الجرار الزراعي " - أي السيطرة الاقتصادية على المنطقة- فيعلمون ان هدفهم في القضاء على حماس مستحيل، لأن عقيدة حماس ليست عسكرية او سياسية مؤقتة تتغير حسب المصالح، بل عقيدة راسخة مستمدة من فكر ديني يدعو لمقاتلة المعتدي، والدفاع عن الارض والعرض، والقتال فرض عين حتى تحقيق التحرير - إنه لجهاد، نصر أو استشهاد-،
أما هدفها في انشاء منطقة عازلة، إضافة للحواجز الاسمنتية على الحدود مع غزة، فهو نابع من عقدة "الجيتو" - احياء عزل لليهود - والكراهية التي اقترنت بالشعب اليهودي عبر تاريخه في الشرق والغرب، فعاش النبذ والشتات، ليجد في فلسطين وطنا موعودا، بدعم استعماري واستغل الضعف العربي، فرسم خارطة لاسرائيل على ارض فلسطين، وصنع لنفسه هالة "القوة التي لا تقهر" والتميز المخابراتي والاقتصادي والمعلوماتي والديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط.
الخبراء في صياغة الاهداف يقولون بأنها يجب ان تكون محددة واضحة، قابلة للتطبيق، تتماشى مع الواقع والقدرات، فبناة اسرائيل وضعوا لها رؤى حالمة، استندت الى خرافات واحلام توراتية ودعم خارجي، ثقله في اميركا وتسنده أوروبا، وتحقق لهم سيطرة على الارض باحتلال اراض عربية بالقتل والتهجير والتدمير وارتكاب المجازر، وتمادوا بالتطلعات بعد اتفاقيات سلام وتطبيع مع دول عربية، لتشمخ انوف ساسة اسرائيل بالسيطرة والفوقية والعلو، دون أي ان يعو ان أهدافهم التي صاغوها يجب ان يحولوها الى فرضيات قابلة للتحقيق كما هي قابليتها للانهيار.
طوفان الأقصى قلب الطاولة على اسرائيل وبدد احلامها في الرؤى، وشتت اهدافها، ودفع بها لتكون فرضيات غير قابلة حتى للتحقيق، بناء على معطيات عقائدية وتاريخية وجغرافية وقانونية يتمسك بها رجال الحق اصحاب الارض، امام زهوات الباطل المدعوم بأمثاله من دول مارست الاستعمار وكل صنوف القتل والتدمير بحق الكثير من دول العالم الثالث خلال حقب استعمارية امتدت لقرون.
قادة اسرائيل من الساسة والعسكر يقرون بالهزيمة، وعدم القدرة على تحقيق الأهداف لإستحالتها، لكنهم يؤخرون الاعلان، لانهم يريدون كسب الوقت وتحرير بعض الأسرى، وبقائهم على رأس سلطة أطاح بها صراعهم الداخلي، وثلة أعدت ما استطاعت من قوة إنزوت في أنفاق غزة، وخططت لجولة نصر ينهي وجود قوة الاحتلال ودولته.
تكابر اسرائيل وتريد صناعة نصر من إنقسام سياسي، وخسارة اقتصادية وميدانية ثقيلة، وانهيار معنوي للجيش والشعب، الذي وجد نفسه في شوارع تل ابيب يطالب بتحرير اسراه بأي ثمن، ووقف نزيف دم قتلاه، وعودة مشرديه الى مستوطنات غلاف غزة بعد ان طال امدهم في الفنادق، وتتحدث عن ما بعد غزة، لتقول انها تريد غزة بلا حماس ومقاومة، ومعزولة بعدد قليل من السكان بعد تهجير قسري، منزوعة السلاح، وسلطة تدخل بدبابة اسرائيلية ورعاية اميركية، ومباركة من لاشقاء قبل الغرباء.
الكل يتحدث عن غزة بعد حماس، ويبتعد عن التفكير، ما بعد طوفان الأقصى ؟ حيث أهداف المقاومة الفلسطينية المعلنة، وهي تحرير فلسطين والقدس من عدو محتل مستندة لحق العودة لإرض الاباء والاجداد، التي هجروا منها قسرا سواء عام 1948 أو1967. ويدعم هذا الهدف والحق قرارات اممية وتوافقات دولية.
وهذا الهدف واضح وواقعي وقابل للتحقيق، ان لم يكن في هذه الجولة من طوفان الاقصى، فسيكون في جولات قادمة قرب أوانها، وحان زمانها، وفقا لمقاربات دينية وتاريخية وعالمية.
وعلى اسرائيل التفريق بين الرؤية والهدف، وعليها ان تعمل وفق فرضية.. ان وجودها مرهون بالدعم الاميركي ادارة للعدوان وتزويدا بالاسلحة.
والنتيجة لهذه الفرضية ان زوال اسرائيل مرهون بأول هزيمة تتلقاها -وهي على الطريق- ورفع الغطاء الاميركي عنها.