في سياق جولاته العربية والأوروبية وفي خِضم سعيه المتصل وقيامه بجهد سياسي ودبلوماسي وإنساني واسع النطاق، ومع الاستمرار بتمسكه بضرورة التوصل إلى أفق سياسي يُحلُّ على أساسه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران سبعة وستين، تبرز أهمية المراجعات الشاملة للتحذيرات التي طالما حذر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين من مغبّة تفاقمها جرّاء تدهور الأوضاع التي تُنبّئ بكارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة على وجه الخصوص نتيجة حرب دخلت شهرها الثالث ولم تتوقف للتو رغم نداءات هي الأخرى لم تتوقف قادها الملك وهو مؤمن بالدور المُشرّف الذي يقوم به في سبيل رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الشقيق.
تلك المراجعات تستوقفني اليوم مع قول جلالته في كلمته التي ألقاها في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض بتاريخ 21 أيار من عام 2017، (لا يوجد ظلم ولـّد حالة من الغبن والإحباط أكثر من غياب الدولة الفلسطينية) التي يمكن تفسيرها على أكثر من نحو يتقدمها إعادة تأكيـد جلالته وتمسكه بالـحق الأبدي الخالـد للفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين في القدس التي هي مفتاح السلام في المنطقة ولا بد أن تكون حجر الأساس لتحقيق الـحل الشامل الذي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة استنـادا إلى حل الدولتين ومبادرة السلام العربية، فضلًا عما يعنيه قول الملك من معانٍ ودلالات ها نحن اليوم نعيش عدم التوصل الى حل بشأنها مما يؤكد حالة التردي والاحباط التي يعيشها الإنسان في فلسطين وفي كل مكان يحتكم إلى الضمير الإنساني وينظر إلى حجم الظلم والقهر الذي يعاني منه الفلسطينيون أطفالًا ونساء وشيوخًا ومواطنين، وكل ذلك وبحسب نطق جلالة الملك نتيجة عدم تمتع الفلسطيني بأبسط حقوقه بالعيش بأمن وأمان وسلام في نطاق حدود دولته التي حُقّ له أن يُعمّرها ويشيّد فوق ترابها نهضة تعليمية وعمرانية وصحية وثقافية وفنية شاملة.
ويرى جلالة الملك إن القضية الفلسطينية هي قضية كل قطر عربي، وكل قطر مسلم، بل قضية الضمير الإنساني. وأنها القضية الجوهرية في المنطقة وللعالم، وإن غياب الحل السياسي هو الذي أدى إلى امتداد التطرف وعدم الاستقرار ليس في منطقتنا فحسب، بل أيضًا إلى العالم الإسلاميى والأوروبي، ومن هنا تأتي أهمية التفات العالم وصُنّاع القرار إلى مضامين خطابات ومقابلات ومباحثات جلالة الملك الذي قال وطالب أول من أمس في لقائه مع ملك ورئيس حكومة اسبانيا بالعمل على أهمية بذل الجهود الدولية والإنسانية التي تضمن وتضغط على إسرائيل باتجاه حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الأهل في قطاع غزة بشكل دائم ومستدام، ويعيدنا تركيز جلالته على هذه الناحية الإنسانية إلى ما تضمنته مقولته المعنونة أعلاه من بُعد نظر ورؤية ثاقبة للحالة الناجمة عن عدم قيام دولة فلسطينية وهي حالة قهر وإحباط ومؤشر إلى استحالة العيش بسلام دون التوصل الى ذلك الأفق السياسي الذي ينتج عنه حل على أساس حل الدولتين.
خلاصة القول إن جلالة الملك عبد الله الثاني لم يدخر وسعًا في حشد الدعم والتأييد الدولي والعربي والإسلامي لصالح القضية الفلسطينية، ويمكن تحديد مظهرين أو شكلين للدعم السياسي الأردني للقضية الفلسطينية بقيادة جلالته وهما: توظيف المناسبات واللقاءات والمنتديات والمؤتمرات الدولية والعربية والإسلامية والوطنية لشرح القضية الفلسطينية وإيضاح حق الشعب الفلسطيني المسلوب ومساندتهم في إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. وأما المظهر الثاني فيتمثل في سعي جلالته الدؤوب والمستمر في تقديم المبادرات والمقترحات التي تكون مقبولة لأطراف النزاع لحل القضية.
Ahmad.h@yu.edu.jo