الوضع الإنساني الكارثي في غزة وعلى وجه الخصوص الصحي ومأساة أطفال غزة، من نجا منهم من القصف واشلاء وجثث من استشهد منهم، ومعاناة الرضع وبكائهم طلبا لرضعة حليب، ومأساة من انقطعت عنهم أوصال الاوكسجين في حاضنات الخدج والمأساة اليومية التي يعيشها كل أب وأم في شتى مناطق غزة، ما بين من فقد طفله شهيدا أو من يخشى فقدان أحد أبنائه أو من يبحث عنه بين الحطام أو تحت الركام، ومأساة أم تتحسس جسد ابنها أحي أنت يا بني أم ميت؟ أو رجل عجوز تائه لا يعرف أين يذهب نتيجة القصف الوحشي على قطاع غزة، كل هذه المشاهد وغيرها من المأسي مما تقشعر له الأبدان، وإن مرت على القاسية قلوبهم من البشر فلن تمر مرور الكرام على التاريخ الذي سيسجل هذه المأسي وسيدون كل شيء بكل صدق وهدوء، أنها لعنة غزة على العالم الذي يدعي أنه متحضر، لعنة ستلاحق كل من تشدق يوما ما بحقوق الطفل وحماية الطفولة وحقوق المراة وغيرها من أكاذيب الغرب.
إنها لعنة غزة التي بدأت تلاحق الجاليات اليهودية في مختلف أحياء اليهود حول العالم، بعد أن اتسعت رقعة احتجاجات شعوب بلدان المعمورة ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، وبعد أن تصاعد التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وبعد تراجع الشرعية الدولية المزعومة لهذه الحرب، وسطوع كذب وزيف إسرائيل ويمينها المتطرف، بعد ازدياد الضغوط التي تمارس على حكومة نتينياهو المتطرفة لوقف العدوان الغاشم والحاقد، أنها لعنة غزة وأطفالها التي يحاول اليهود في أوروبا الهروب منها بتغيير اسماؤهم واخفاء رموزهم الدينية اليهودية والاسرائيلية، لعنة غزة التي جعلتهم يخشون حتى الحديث باللغة العبرية، لعنة غزة وشهدائها من شيوخ ونساء ومدنيين عزل وصلت واشنطن وتقرع بوابة البيت الأبيض لتقع على رأس الرئيس الأميركي بايدن الذي بات يواجه دعوى قضائية من قبل مركز الحقوق الدستورية في الولايات المتحدة ضده وضد وزير خارجيته ووزير حربه لفشلهم في منع الإبادة الجماعية في غزة من خلال دعمهم الكبير لإسرائيل وعدوانها الغاشم.
لعنة غزة وكل ما دمرته آلة العدوان الغاشم من مستشفيات ومدارس ودور عبادة هي التي أدت إلى انخفاض شعبية الرئيس بايدن من 59% عام 2020م الى 17% قبل أسابيع وذلك بسبب موقفه الداعم وانحيازه الأعمى والمطلق لإسرائيل في حربها على غزة، إنها لعنة غزة التي أطاحت بشعبية بايدن بين الديموقراطيين ب 11 نقطة مئوية مقارنة بالشهر الماضي فقط، لعنة غزة ستكون أشد والعن من لعنة فيتنام التي أطاحت بالرئيس جونسون في سبعينات القرن الماضي وانتصار إرادة المقاومة الفيتنامية، لعنة غزة ستزيد من أصوات الغضب التي تتعالى يوما بعد يوم خارج وداخل أميركيا والتي لن تتوقف عند أسوار حملات انتخابات الرئاسة الأميركية القادمة والتي حتما ستطيح بإدارة الرئيس بايدن.
لعنة غزة هي من أشعل هوس البقاء والخوف من الزوال لدى اليهود والصهاينة، فزادت شكوكهم في استمرار وجود كيانهم الغاشم في المستقبل، حتى التيار العلماني منهمبات مهوسا بفكرة بقاء إسرائيل واستمرارها، دون الاستناد إلى نصوص دينية بل استعاض عنها بوقائع تاريخية لتكون مصدرا لجدلية بقاء إسرائيل وعمرها الافتراضي، وهذا ما صرح عنه في السنوات الأخيرة بعض مفكري إسرائيل بما عرف باسم «لعنة العقد الثامن».
لعنة غزة هي من جعلت المراقب الإسرائيلي العادي يشعر بمزيد من التخوف من أن تكون فكرة «لعنة العقد الثامن» حقيقة، وأنه حاليًا يشهد تحققها، لعنة غزة ستقربنا من استشفافات شيخ المجاهدين أحمد ياسين التاريخية والقرآنية أن إسرائيل لن ترى السنة الثمانين، وأعطاها حتى عام 2027.
لعنة غزة وشهداءها، قصفت لندن حيث أقال رئيس وزراء بريطانيا سوناك وزيرة داخليته سويلا لانتقادها شرطة لندن التي سمحت بتنظيم مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مقال صحفي لها وصفت فيه المظاهرة بالكراهية.
لعنة غزة، أصابت ماكرون الفرنسي الذي تنصل من تصريحه حول مسؤولية الاحتلال بقتل أطفال غزة وذلك بعد التوبيخ الإسرائيلي له ما أعاد ذاكرة الفرنسيين حول سياسة ديغول ومكانة فرنسا في عهده، الشيء الذي دفع الكثير من الفرنسيين لمقارنة مكانة فرنسا الدولية وسياساته بعهده وبمن سبقه وخاصة الحقبة الديغولية.
حذار من لعنة غزة، لانها ستطارد المتخاذلين والمتصهينين، من بني جلدة ابناء غزة، ستطارد من يمنع الماء والغذاء والدواء والطاقة عن أهل غزة، ستطارد من لم يحذو حذو هشام بن عمرو- رغم كفره- بتقطيع صحيفة قريش لمقاطعة بني هاشم بعد أن رفضوا الأكل والشرب وابناء عمومتهم يأكلون أوراق الشجر.
حذار.. حذار.. حذار من لعنة كل غزة، ناسها، ترابها، سمائها، هوائها.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق