طفلٌ يتلو الشهادة؛ ليرددها أخوه الذي يصغره بعامين تقريبا، الملقى تحت الأنقاض، وهو يمسك بيد أخيه الصغيرة، وقلبه يعتصر ألما، ولكن يقينه بأن أخاه سينتقل إلى مكان أفضل يخفف عليه ألمه وفاجعته بفقدانه وبعض أفراد عائلته.
مشهدٌ من عشرات المقاطع التي نراها يوميا، تدمي قلوبنا، وتفجر عواطفنا، وتطلق عنان أفكارنا ومخيلاتنا عن مدى الألم الذي يعيشه أهل غزة، والقهر الذي يشعرون به، متسربا إلينا ويجعلنا أكثر كآبة واضطرابا، ما يؤثر على مجرى حياتنا اليومي.
ويقول استشاري الطب النفسي ومعالجة الإدمان الدكتور عبد الرحمن مزهر: إننا لا نستطيع تطبيق القراءة النفسية العامة والمعتمدة لدينا كأطباء نفسيين عما يحدث في غزة في الفترة الحالية؛ لأبعاد عديدة.
ويعدد مزهر هذه الأبعاد في تصريحه لـ"الرأي»، بقوله: «إن المصيبة عامة ومشتركة، وبالتالي يخف الأذى النفسي عن الفرد، وبهذه الحالات يكون الدعم مجتمعيا مباشرا».
ويستشهد بما نراه عبر الشاشات، مبينا أنه «عندما يتم إطلاق صواريخ على بيوتهم وتهدمها، فإن الناس أنفسهم ومن ضمنهم أطفال، يساعدون بانتشال الشهداء من تحت الركام والأنقاض، وهذا النوع من الدعم يخفف في المرتبة الأولى تبعية الصدمات».
ويتابع: «هناك أمور نقيسها كمتابعين للحدث بمنظورنا، وتُفتح لمخيلتنا توقعات كثيرة، لكن التعرّض للحدث يختلف، إذ أن نتائجه قد عُرفت، وبالتالي التعامل مع الحدث حقيقي أكثر من التعامل الذي من الممكن أن تتخيله أدمغتنا.
ويشدد على «أن عقيدة الشهادة الموجودة عند أهل غزة، تخفف مشاعر المتضررين السلبية وتدعمهم نفسيا بشكل كبير، إذ إنهم يعرفون أن أقاربهم الذين استشهدوا أحياء عند ربهم يرزقون».
ويؤكد أن نسبة كبيرة من سكان غزة تعرضوا للخوف الشديد، والقلق ومتلازمة ما بعد الصدمة، خصوصا النساء والأطفال، لافتا إلى أنه من الممكن علاج ذلك مع الوقت.
ويذكر مثالا على أن «أهل غزة لا تنطبق المفاهيم النفسية عليهم، إذ إن الشباب بالعشرينيات من عمرهم يعتلون الدبابات ويفجرونها، وهم أنفسهم الذين تعرضوا في 2014 لعدوان، وكانوا أطفالا حينها ورأوا مناظر شبيهة وأكثر».
وتابع: «إن التعرض لهذه المواقف القاسية، يترك أثرا نفسيا إيجابيا ويحثهم على أن يصبحوا أكثر قوة». مشيرا هنا، إلى أنه لا توجد معاناة نفسية إلا وتعطي صلابة نفسية عالية جدا.
من جانبه، يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: إن الأحداث في غزة ستترك آثارا نفسية قصيرة وطويلة المدى.
ويبين التميمي لـ«$» أن «الآثار قصيرة المدى تتمثل بالخوف الشديد، والقلق والشعور بعدم الاستقرار والأمان، والتنبّه الزائد للأفكار السلبية».
ويتابع: «إن بعض سكان غزة يكتبون على أياديهم أسماءهم؛ ليتم التعرف على جثثهم في حال حدث قصف، وبالتالي تجعل حالة الترقب الإنسان في حالة صدمة، والتي فيها نوع من الإنكار».
ويلفت إلى أن تأثير الصدمات طويل المدى يشمل السكان جميعهم بغض النظر عن أعمارهم وخبراتهم، ولكن تأثيرها على الأطفال أشد، وتستمر الأعراض معهم، خصوصا بعد الصدمات المتكررة والمستمرة، كما يحدث الآن في غزة على مدار 40 يوما تقريبا.
ويذكر التميمي الآثار طويلة المدى: «القلق والاكتئاب والخوف من الأصوات العالية والمتفجرات، واضطرابات ما بعد الصدمة أو الصدمة الحادة»، لافتا إلى أن هذه الأعراض تظهر عادة بعد الحدث الصادم بشهر أو شهرين.
ويكمل: «إن الشخص يتجنب أية إشارات مرتبطة بالحدث الصادم، واضطرابات النوم، والخوف المفاجئ، ولوم الذات»، مشيرا إلى أن مشاعر اللوم تزيد ألم الشخص؛ كأن يلوم نفسه عما لو أنه قام بفعل معين لاستطاع إنقاذ حياة أقاربه، وهكذا..».
ويشدد على أن الحالة النفسية التي يعيشها أهالي غزة معقدة جدا، والأعراض ستطالهم وتؤثر على نموهم النفسي على المدى البعيد، وتخلف الكثير من الاضطرابات النفسية.
بدورها، تقول الاستشارية التربوية والنفسية شذى مبيضين: «إن الأذى النفسي الذي تعرض له أهل غزة، من تهديد، وعدم أمان، وإصابات بليغة ومستدامة، وحرمان من مقوّمات العيش الأساسية، لن يزول أثره بسهولة، وقد يتعرض الكثيرون إلى اضطراب ما بعد الصدمة».
ويستمر الألم النفسي مع بعضهم لما بعد الحرب، ويمتد لفترة طويلة، ما يعني أنهم بحاجة إلى تدخل ودعم نفسي، خصوصا لمن يتم تشخيصه باضطراب ما بعد الصدمة.
وتتابع: «إن الأعراض التي يشعر بها الفرد كالخوف الشديد الدائم من أي صوت، تؤثر عليه وتجعله عدوانيا وسريع الغضب، وتجعل لديه صعوبة في التكيف مع أمراض أو ظروف نتجت عن الحرب؛ كفقده بعض أطرافه، ما يؤدي إلى صعوبة تجاوز هذا الألم والمرحلة».
وتلفت إلى أن الأثر النفسي يطال المشاهد أيضا وقد يشعر بأعراض متشابهة، كالخوف والإحباط والحزن، وتنصح هنا، بالابتعاد عن مشاهدة الصور والفيديوهات، والتوجه إلى الأخبار المحكية والمكتوبة.
وتطالب بضرورة تفعيل دور المنظمات الدولية في حماية حقوق الإنسان، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأهلنا في القطاع، ما يسهم في التخفيف من الآثار النفسية للصدمات الناجمة عن تلك الحوادث والتعامل مع نتائج الحرب بشكل أفضل.