"انتيجوني" مسرحية تراجيدية تحاكي مأساة (غزة)

تاريخ النشر : الأربعاء 04:19 15-11-2023
900

حكيم حرب، من المخرجين المسرحين المولعين بانشاء عروضهم وفق فضآت الفكر التراجيدي. وهذا الولع ابتدأ مع انطلاقته الفعلية المحترفة الأولى شاباً، مع مسرحية "المتمردة والأراجوز" التي فازت في العام 1991 بجائزة مهرجان مسرح الشباب الأول، وفي العام 1992عن نفس المسرحية بإحدى جوائز مهرجان القاهرة الدولي للتجريب المسرحي.

واستمر هذا الولع لاحقا بتحويل النصوص العبثية مثل "سوء فهم" لألبير كامو؛ أو من السير الشعبية؛ "مأساة المهلهل".إلى عروض ذات فضاء تراجيدي.

وقد أعاد صياغة أو إعداد هذه النصوص من جديد، من خلال اقتحام نداءاتها الخفية، ومن ثم مغادرة أجواء نص المؤلف إلى تأسيس نصاً آخر متأسس على الفضاء التراجيدي، وهو نص العرض المسرحي، على اعتبار أن النص الأدبي أحد عناصره.

وكان أعاد أول من أمس، على مسرح هاني صنوبر، عرض مسرحية" انتيجوني" لسوفكليس، التي قدمها سابقاً مُعداً ومخرجاً، بطرحها وفق نظرة معاصرة، بتناول مختلف، عن ما طرح في صياغة المسرحية الأولى. والتي قدمها مسرح الرحالة بالتعاون مع وزارة الثقافة، بمثابة نوع من التضامن مع (جرحنا النازف في غزة)،ً وموجهاً تحية (إجلال إلى الشهداء في غزة العزة والتضحية والفداء)، كما قال في دعوة فرقة الرحالة للجمهور لحضور هذه المسرحية.

فزخر الفضاء الدلالي للمسرحية، بروامز وعلامات سمعية ومرئية، شكلت فضاء، هيمنت عليها العناصر الدرامية، بدلاً من التراجيدية، فظهرت مفاهيم (الشك) بالقيم الروحية والوطنية المطلقة، وحل محله المفهوم (الهاملتي).

فالأميرة (أنتيجونا) عندما تذهب لمواجهة الموت، تذهب وهي تقدم قيمة فكرية عظمى: من حيث تأثيرها على نفسها والرأي العام، فلا تتراجع في دواخل نفسها، بل لديها اليقين بأن خيارها المأساوي هو الصائب، دونما أدنى شك في التضحية، من أجل المثل العليا التي تنبني عليها الأمم الحية.

بينما هنا في مسرحية حرب، بعد أن يعمل لها خالها (كريون ) غسيل دماغ، تتيقن انتيغونا من أن لديها شك في صحة قرارها بمغادرة هذا العالم، من أجل أن تضحي بنفسها بمقاومة النظام الجديد، فتجيء حدة هذا الشك أقصى من الموت الذي ينتظرها. بعد أن أقنعها رئيس النظام الجديد الملك (كريون) بأن العالم قد تغير، ويجب أن تنتبه لنفسها، وتتزوج من إبنه، وإن ما تفعله ليس إلا انتحارا ونتيجة مكائد سياسية.

وأن الحياة امامها.. الزواج أمامها من أبنة الملك الجديد (كريون)، والتمتع بالسلطة، فلا تدعي الحياة تنفلت من بين أصابع يدك، فأطبقي عليها.

كما أن شخصية كريون التي جسدها حرب، ظهرت سياسية بإمتياز، وليست عسكرية، وان ما قام به من مؤامرة على الملك (أوديب) واغتصب عرشه، بالتعاون مع الكاهن (ترسياس) وتنكيله بعائلتها؛ عبر التخلص من أخويها، وأباها، هو كان ضرورة وطنية للحفاظ على البلد وعلى أهلها، وليس كإنسان خان والدها (أوديب) وغدر فيه، كما في النص الأصلي.

كما وطرحت أحداث حكاية المسرحية بأن أخوة أنتيغونا جاء صراعهم ليس بهدف حماية "طيبة" وإنما لأغراض التنافس في الإستيلاء السلطة.

وأكد (كريون) من (خلال مسرح داخل مسرح) وبدون مواربة مسألة إزهاق الشباب لأرواحهم من أجل قضية سياسية أو عقائدية، بأنها خاطأة ومأساة إنسانية، بذهاب طاقات هؤلاء الشباب هدراً."

إلا أنها تذهب للموت على أن تذعن لعرضه، مُضحيةً، من اجل المثل العليا التي تنبني عليها الأمم الحية، بامتلاكها للمعطيين (روح التخطي)، و(جلال المأساة)، وهما من أهم ثيم المسرحية التراجيدية، التي تمتلكها الشخصية المأساوية، وهي تذهب إلى مصيرها موتاً، على أن تهادن وتتخاذل مع قوى الظلم.

وكان من ضمن المعطيات التي ركز عليها حرب ضمن الصياغة الجديدة للمسرحية، في إعطاء معاني رموزية مضمرة لهذا العرض، حيث تغدو (أنتيجوني) مدينة (غزة)، عندما أضاف حواراً، عندما يلقي بها الحرس في هوة عميقة وهي حية، ليدفنوها بالتراب، فتقول: ألم يات خطيبي (هيمون)، ليحاول إنقاذي، وهو إبن خالها، الذي يجسد العالم الإسلامي والوطن العربي، كأحد المعاني المضمرة في البناء العميق للعرض، فيأتي الجواب عبر دلالات أغنية الرحابنة بصوت فيروز: (لا تندهي ما في حدا.. لا تندهي ما في حدا..).

وكانت المعارك تجري بأسلحة العصر الراهن في المسرحية، عبر حمل المقاتلون للبنادق الأوتوماتيكية، واستخدام الاليات المدرعة.

محمولات العرض قدمت أساساً عبر انساق أداء الممثل، وبخاصة شخصية (كريون) الذي قدمها حكيم حرب باقتدار جمالي عالي، بفعل تجسيده لشخصية الطاغية السياسي المعاصر، الذي يدوس على القيم الإنسانية، ويزهق الأرواح، كأنه يحقق متعة نفسية، ولكنها مرضية، بحسب علم النفس، وقدمت شام دبس شخصية (أنتيجوني)، وجسد محمد كيمو (حارس1)، و(الأخ الأكبر)، ومحمد الزعول (حارس2) و(الاخ الأصغر)، و(الكاهن تريسياس). وضم فريق التقنيات، ماهر جريان فني إضاءة، وعبد الحليم أبو حلتم موسيقى، وفكرية أبو خيط أزياء وإكسسوار.

أسهمت الإضائة بقوة سينغرافياً؛ في تعويض غياب كتل الديكور عن المسرح، فأبرزت جماليات أنساق أداء الممثل، وفق ثلاث اتجاهات أساسة، الأول الأضائة الساقطة من أعلى المسرح، والثانية الأفقية، والثالثة في إنشاء حيزات وفضآت تجري فيهما أحداث المسرحية، كما وكان لنقوش وخطوط الملابس للشخصيات، أن أثرت دلالياً بناء كل شخصية لجهة موقعها الطبقي في السلم الاجتماعي.

بينما كان لجماليات الأنساق غير المنطوقة كالموسيقى دوراً أساسياً في إثارة الزخم العارم للأحداث سواء في التصعيد، والصراع بين الشخصيات، وبخاصة بين (كريون) و(وانتيجوني)، أو في طرح الأنغام الحزينة عند تواري (انتيجوني)، تحت التراب الذي يُهال عليها، وهي تقول: (يا قبري يا سرير عرسي)، مُعمقة هذه الأنغام الحزن الجليل لدى هذه الشخصية التراجيدية بإمتياز، لتقول كلمتها الأخيرة بل إغلاق قبرهان بنهاية المسرحية: (أما أنتم أيها الصامتونن أنا لا أكرهكم، بل أشفق عليكم).

وبعد هذا التحليل والتفكيك السريعين للعرض، نخرج بمعطيات عدة، أن اكتمال الفعل المسرحي بين الفعل على الخشبة، والجمهور قد حضر بقوة، بحيث أن المعنى وصل للجمهور، والذي تغير مزاجه بفعل هذا التواصل، من خلال تأثرة للمعاني سواء التراجيدية في البناء السطحي للعرض، أو للمعاني السياسية عن ما يجري في غزة، في البناء العميق.

لكن الأهم مسرحياً بنتائج هذا التفكيك هو أهمية النص الكلاسيكي؛ في المسرح، فله ميزات عديدة منها؛ أنه عند إعادة تقديمة في أي زمن ينجح، وكأنه مكتوب في راهن هذا الزمن، الذي قدم فيه هذا العرض. لسببين أساسيين، الأول أن بنيته، مرنة، تتقبل (التبيئة)، وثانياً أن المواضيع أو الرسائل التي يطرحها هي نفسها منذ العصور الأولى للمجتمعات الإنسانية، وحتى الآن.

ذلك أن بني البشر من ذرية آدم وحتى الآن هم أنفسهم، رغم المتغيرات الهائلة التي طالتهم عبر ملايين السنين، سواء مواقفهم تجاه أسئلة الحياة الوجودية، أو أنهم لا محالة كائنات فانية.

وليس أدل على ذلك، علمياً، أن الموضوعات الدرامية التي يتداولونها، هي نفسها منذ القدم وفي الراهن، فقد عددها جورج بولتي في كتابه ب 36 فكرة وهو بعنوان (المواقف الدرامية أل 36)، وهذه الموضوعات تشمل الطموح، الانتقام، المنافسة من أجل الحب، والجنون، الخيانة، الوفاء، الغيرة، الغدر..الخ. الذي تضمنه كتاب صناعة المسرحية من تأليف ستوارت كريفش، ترجمة عبد الله معتصم الصباغ، من دار المأمون، بغداد 1978. أما جوته وشيلر فحددا الموضوعات الدرامية بأقل من ذلك.

فمن المستحيل (المرجع السابق نفسه) أن نفكر في موقف درامي جديد، ولكن هدف الإعادة يطرح نفسه بنظرة معاصرة، بتناول مختلف عن ما طرح في صياغة حالته القديمة، فالموقف هو نفسه، فمثلاً الغدر يبقى غدراً، سواء عبر طعنة في الظهر، أو عبر تمريره وفق تعليمات ومنظومات اعلامية وإعلانية قانونيتين.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }