كتاب

عن الـحـسين في ذكراه

في ذكرى ميلاده الثامنة والثمانين، وبالتزامن مع ذكرى رحيله الخامسة والعشرين، ما زلت مؤمنًا بأن الكتابة عن سيرة الراحل الكبير الحسين بن طلال تحتاج إلى جهد مؤسسي منظم وشامل ومدروس، وليس على نطاق محلي أردني أو عربي فحسب، لأن الامتداد العالمي لشخصية المغفور له تستوجب التحليق في آفاق بعيدة وواسعة لعلها تطال معظم دول العالم التي كانت لأبي عبدالله فيها ومع قادتها صولات وجولات جميعها انتهت وكانت ونشأت لأجل فلسطين والأمة والدفاع عن قضاياها المصيرية والعادلة، ولأنها كانت من أجل الحياة الحرة والكريمة والآمنة للإنسان في كل بقعة فوق الأرض، ولأن حياة الحسين أيضًا ليست تجربة كي نمر عليها مرور الكرام بقدر ما هي عبارة عن مجموعة كبيرة من العناوين التي تستحق وتحت كل عنوان أن يقال عنها الكثير.

اليوم تصادف ذكرى ميلاد الحسين، والذكريات تأبى إلا تعود فينا أدراج العُمر الذي مضى، وصوت الحسين فينا مجلجلٌ يحيي فينا الهمم ويُعظّم فينا قيم البذل والعطاء، ويشحذ قوانا وينادي فينا بأن الأردن بلد المهاجرين والأنصار ووطن أحرار الأمة، لن يكون إلا كما هو العهد به يقول الحق دون أن يلتفت لثمن يدفعه، وللحسين في رحلة العمر محطات عشنا بعضها وسمعنا عن الكثير منها تبعا لاستحقاقات فارق العمر، وهكذا أحببنا الحسين ونحن نراه ملكًا وقائدا وإنسانًا وأخا ومعلما وعلى حد الأغنية الرائعة (وأغنية وراية وحكاية تتلو حكاية).

نكتب عن الحسين ونستذكر زعيمًا عظيمًا وقائدًا فذًا وبانيًا متفانيًا كرّس حياته وجهده لخدمة بلده وشعبه وأمته بدأب ومثابرة ونكران ذات ندر أن يكون في عالمنا وفي علاقة كتلك التي ربطت الملك الراحل بشعبه الوفي الذي بادله حبًا بحب وولاء بولاء ووفاء، فهذه الذكرى الخالدة في نفس كل أردني وأردنية، وفي وجدان كل عربي حر، تبقى إحدى المحطات الخالدة في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية والممتدة – زمنا – منذ الرابع عشر من تشرين ثاني لسنة خمسة وثلاثين حتى السابع من شباط من العام تسعة وتعسين، والباقية عطاء وانجازا وبطولات وإنسانية وصدق ووفاء، على مدى الأيام والسنوات. كيف لا، ونحن نؤمن أن الخالدين أمثال أبا عبد الله، وان غابت أجسادهم عن ناظرنا فتكلم هي أرواحهم وصفائح أعمالهم الخالدة وانجازاتهم العطرة التي تبقى تحوم فوقنا وتذكرنا بهم كل حين وصبح ومساء.

الحسين كان مؤمنًا بأن الموت حق، وأن الساعة إذا جاءت فإنها لا تستأخر ولا تستقدم، ولكنه كان مؤمنًا أيضًا بأن البناء على ما تم إنما هو عملية تراكمية لا تنتهي بانتهاء عمر الإنسان، ومن هنا كانت هديته العظيمة لشعبه يوم مولد نجله الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي تسلم الراية وأبقاها خفّاقة عالية ترفرف في سماء الوطن والأمة، وها نحن مع أبي الحسين نواصل مسيرة الحسين وهو صاحب الكلمة والوعد والقائل (فإنني أعاهد الجميع على مواصلة المسيرة بكل ما أوتيت من قوة وعزم ومعرفة لتحقيق الأهداف والطموحات النبيلة التي عملتم وكافحتم مع الحسين لتحقيقها في اطار من التشاور والمشاركة في تحمل المسؤولية ووضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح والاعتبارات منطلقا في ذلك من ثوابتنا الوطنية القائمة على الإيمان بالله والإخلاص للوطن واحترام الدستور وحماية المسيرة الديمقراطية وتعميق جذورها واستكمال بناء دولة المؤسسات والقانون والعمل على تحقيق النهضة والوفاء لرسالة الثورة العربية الكبرى في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية).

لأبي الحسين في ذكرى ميلاد والده العظيم، منا عهد الحب والوفاء ومواصلة البناء والعطاء لمسيرة وطن يؤمن قائده بأنه الوطن الجدير بالاحترام والجدير بتجربة تستحق الإشادة، تجربة ثرية في العلم والسياسة والاقتصاد والصحة والتعليم، وثرية في المحبة والإنسانية وتعظيم القيم المشتركة والقواسم الواحدة بين أبناء الأردن من شتى أصولهم ومنابتهم، وكيف لا نكون كذلك وفينا أبي الحسين وريث مسيرة الحسين.

Ahmad.h@yu.edu.jo