ارتفعت وتيرة الجهل والتلفيق حول معنى «السامية» وربطها باليهود فقط. وتكثف استخدامها في الغرب بعد قيام دولة إسرائيل واحتلالها الضفة الغربية وبقاع عربية اخرى في سوريا ولبنان، عام 1967. وأضحت سلاحا مضللا بهدف تشويه صورة خصوم إسرائيل والاحتلال، وتكرِّس عداء للعرب والمسلمين واتهامهم بمعاداة اليهود ودينهم. ففي ذلك سلاح وجهل وتضليل فاضح، متناسين أن صفة المسلم تنزع عنه، إن لم يعترف بالله وكتبه ورسله اجمعين.
لست متخصصا في التاريخ، لكنني اطلع وادعو الله أن يزدنا علما. لقد وجدت في الجرائم المستمرة على الفلسطينيين وارضهم وتاريخهم، وفي الجهالة الهادفة في الغرب، ومن الجرائم المتجددة في غزة، مناسبة لأن اقتبس وباختصار، ما يناسب من مادة من المراجع المتخصصة، لتوضيح الجهل (حتى عند أهلنا) بمعنى اللاسامية Antisemitism واتهام خصوم العرب باللاسامية وبمقاصد إسرائيل والغرب منها.
وتساءلت: هل يعقل أن العرب وهم ساميون أن يتهموا من إسرائيل والغرب بمعاداة السامية، أي معاداة العرب لأصولهم وجذورهم.!؟
إن الثابت، وفق المكتشفات الأثرية والدراسات، أن سكان ارض فلسطين الاصليين كانوا كلهم عربا، ومن أقدم الشعوب على أرض فلسطين، هاجروا من جفاف جزيرة العرب إلى أرض «كنعان» ما يزيد عن الألفي عام، قبل ظهور سيدنا موسى عليه السلام واتباعه. ومنذ الالف الرابع قبل الميلاد كانوا يعيشون على ارض شرق البحر المتوسط. وتشمل «السامية» ايضا الآراميون ممن سكنوا وسط وشمال غرب بلاد ما بين النهرين في القرنين الثاني عشر والثامن قبل الميلاد. ومن «الوجهة الدينية» يعتبر الساميون في الاصل من القبائل المنحدرة من «سام» -الابن الاكبر- لسيدنا نوح عليه السلام.
فالمعنى الحرفي للسامية او الجنس السامي، يشمل العرب، بل ان الغالبية العظمى من ابناء سام بن نوح، هم عرب. واللغة العربية هي احدى ابرز اللغات السامية. فلا تقتصر السامية إذن على العرب، بل تشمل يهود المنطقة العربية ايضا.
فاليهود من شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام والعراق هم وحدهم الساميون. كما وتشمل مسلمي ومسيحيي الجزيرة العربية. مما يعني ان «اليهود من اصول غير عربية» كأولائك من وسط اوروبا او وسط آسيا وغربها، ليسوا ساميين، اذ ترتبط السامية بعرق وليس دين.
ومن يطلع على كتابات يهود وغربيين امثال أرثر كوستلر (القبيلة الثالثة عشر) يشير ان غالبية اليهود الحاليين، 95%، منهم، ليسوا من اصل فلسطيني، هم أشكنازيين، من اصل قوقازي من قبائل الخزر في بحر قزوين، المتهوِّدة في القرون الوسطى (لا غرابة من قسوة انتقامهم من اهل غزة؛ وكذلك تشير دراسات استاذ التاريخ اليهودي، شلومو راند من جامعة تل ابيب، الى ان جلَّ يهود الشتات بعد هدم الهيكل الثاني، لم يزد عددهم عن اربعين الفا، هاجروا وانصهروا وذابوا في المهجر!. لذا فمصطلح معاداة السامية، لا ينطبق على العرب لانهم ساميون جذرا. وجاء المصطلح في اللغات الاوروبية يقرن بين السامية واليهود ويوحد بينهم. ويعود ذلك لتقصير في التعريف للسامية بأنهم اليهود حصرا–فهو جهل بالحضارة الشرقية وجهالة وسوء مقصد في اوروبا.
كان الصحافي الالماني الاصل، ولهام مار 1818-1904, هو اول من استخدم مصطلح اللاسامية عام 1878في كتابه «انتصار اليهودية على الالمانية»، من منظور غير ديني ليصف موجة العداء لليهود في اوروبا الوسطى في اوائل القرن التاسع عشر، حين كان يُلقَي اللوم على اليهود في فشل ودمار كثير من الممولين الالمان. وتطور الجهل والتضليل واصبح دارجا في اميركا و اوروبا أن معاداة السامية، هي معادة ليس فقط لليهود بل توسع التشريع السياسي، ليشمل كل من ينتقد اليهود وإسرائيل كجهة سياسيه. وتجاوز ليصل الى معاقبة الدول الناقدة وحرمانها من المساعدات وطرد الافراد والتضييق عليهم، وعلى كل من ينتقد ويدخل تصرفه تحت معنى اللاسامية الجديد.
لقد خسر العديد من النواب في الكونغرس مواقعهم واخيرا خسر، كوربين، رئيس حزب العمال البريطاني، رئاسة الحزب لانتقاده قرارات إسرائيل نحو الفلسطينيين؛ وجدير بالقراءة ايضا كتاب الرئيس الاميركي ال 39، المتدين جيمي كارتر–«فلسطين–سلام لا تفريق عنصري 2006 ».
نشهد اليوم في مواقف بعض قيادات اوروبا واميركا، انكشاف قيمي وروحي ودبلوماسي وعدوانية غير معهود الافصاح علنا عنها.
ورغم ذلك، يواصل الاردن والملك عبد الله الثاني جهوده الدولية في وقت حاسم، وبجرأة ومنطق، ويواصل دعوات دفاع ونصح وتثقيف،، لوقف الحرب والاذى في غزة والضفة المحتلة، ويلتقي بقيادات دولية، رغم التضليل الإعلامي، ينبه عن احتلال شرس طالت مدته على الفلسطينين، والقفز عن حقوقهم في الحرية والدولة المستقلة.
لقد كُشِفَت لنا، أكثر مما مضى، وجوه وافواه وايدي معظم قادة الغرب، لا شعوبهم، كُشِفَت اقنعة، وقلوب جلمودية، تدّعي الانسانية، لكنها قلوبا من حِقدِها «تُوقِدْ» عليها النار! وبالتوازي فقد ايقضت الاحداث من كان غافلا ومن هو مغرورا ومن عميت ابصاره عن اعداء الامة والخصوم في الداخل والخارج، وتعرّف الجميع والشباب اكثر، على اخلاص الأردن وشعبه -الفئة المؤمنة الصادقة.
ومن يتابع وضع الحرب على الفلسطيني والعربي، يدرك صلابة ايمان شعب فلسطين العربي، بوطنه وقضيته، في بيئة خلخلة المواقف الرسمية العربية. إن إخوتنا في فلسطين هم قوم، مهما هدمت بيوتهم وخيامهم وبنية تحتية وصوامع وهدرت دماء غالية، فلن تنهزم عزيمتهم، ولن ينهزموا من الداخل؛ هم مؤمنين بقضيتهم، وزادتهم تمسكا احداث ومواقف وجرائم غزة. فلن تمحى من الصدور عند الاجيال. مثلهم كالشعب الياباني والالماني بعد الحربين العالميتين، الاولى والثانية، دمر الحلفاء بنيتهم، لكن لم يهزِموا عزيمتهم، في الداخل، فاعادوا البناء. فإن لم تكن هزيمة المعتدي اليوم، فإنها حتما،بقدرة الله وعزته، ستكون قريبة، على ايدي جيل عربي فلسطيني قادم، أكثر علما وعزماً، ذاق المر وشاهده. وستكون هزيمتة هي حصاد تعنُّته كمحتل، وأخطائه، وتمسكه بمفهوم الامن القائم على العسكرية واحتلال الارض الاستيطاني. ورفضه السلام. ولن يكون للمحتل امنا إلاّ باعترافه بحق الفلسطينين بالحرية والاستقلال. والاهم أن إسرائيل اضحت عبئاً متصاعدا على حُمَاتِه، في اميركا واوروبا.
إن الملك عبد الله الثاني بتجواله وتواصله الدولي، وضمن منظومة جهاده الاكبر، يوضح بشجاعة ومنطق المواقف وتراكمات السلوك العدواني للمحتل وأبعاده الكارثية. وكيف أن الادارة الاسرائيلية تتجاوز العهود والمواثيق، ولا تكترث بإحراج المعتدلين عندها في الداخل، والآخرين في العالم المتفهمين للقضية. إنه يركز على الحل الحقيقي: وقف الحرب وإزالة الاحتلال، فهو الڤايروس؛ وأن حرية الفلسطينيين في دولة مستقلة لهم، هي الحل.
وإنني أرى أن الوعي اليوم ضروري، اقليميا ودوليا، بأن لا ندع للمعتدي الاسرائيلي أن يُبقِي الوضع القائم وسيطرتة على الارض، كواقع جديد، فيه قضم ارض جديدة وتهجير وتمدد احتلالي.
وفي كلمة هادفة للملكة رانيا العبدالله في تشرين الاول 2023، في مشاركتها في قمة «عالم شاب واحد» في إيرلندا الشمالية، ومقابلات مع ال CNN، والاعلام الغربي، اعطت دروسا عن اهمية ازالة كابوس الاحتلال وأهمية انسجام العالم والقيادات والشباب بالقيم الانسانية، وأن تحقيق السلام مَهمة مستمرة لمدى الحياة وتتطلب تكريس الوقت والامكانات.
وقالت: «بالرغم من الرياح المعاكسة القوية، فقد حان الوقت أن يخرج القادة في كل مكان لتحقيق السلام الدائم في الشرق الأوسط وحول العالم».
وإذا تدبرنا آيات في كتاب الله الكريم كم كررت فيها كلمات «أقل» و'اكثر» في مقامات تفضيلية سامية، لوجدنا أن الخالق تعلو عنده مقامات القِلَّة الواعية، العالمة، الشاكرة، العاملة، المنجزة، المتحدة والمجاهدة، الصابرة التي تعقل ثم تتوكل، فهي التي تقود، وهي الناصرة المنتصرة: إن اكثر الناس لا يعقلون. إن أكثر الناس لا يعلمون... وأكثر الناس لا يؤمنون وقليل من عبادي الشكور.. إعقل وتوكل. وكم من فئة قليلة تغلب فئة كثيرة بأمر الله؟!
إن الخالق -جلّ جلاله–يعرفنا فنحن عباده. يرشدنا سبل النصر ثم يقف معنا. «وإعدوا لهم، ما أستطعتم من قوة... وإصبروا..». اللهم ثبِّت أقدامنا، وهيأ لنا من أمرنا رشدا.