يجب تقديمَ العزاء للإنسانية على شرخ لا يمكن علاجه، ففي غزّة تحطمت المبادئ الإنسانية، وحقوق الطفل والمرأة، وأصبح العالم يعيش بقلوب من حجارة، فلا هي تنبض بالسلام ولا بغير السلام، فعليها من الله السلام.
كما يجب الاعتذار لكلّ المؤتمرات والمحابر والحناجر التي تعبت كثيرا في ترسيخ مبادئ الإنسانية والسلام والحريّة وحقوق الإنسان، فلم يعد بإمكاننا الحديث عن تلك المفاهيم المنمّقة، ولم يعد بالإمكان الحلُم بمستقبل مزدهر لهذا العالم الحزين الذي فقدَ كثيرا مما يملك من عناصر البقاء بكرامة الإنسان.
ولكن.. بقي من الواجب على عقلاء العالم القيام بمحاولة لتحسين صورة المستقبل للأجيال القادمة، بعد أن رسمت صورته المشاهد المروّعة في الاجتياح الإسرائيلي على غزّة بأبشع صورة، لعلنا نقنع الأجيال القادمة أننا بشر وآباؤنا وأجدادنا كانوا بشرًا، وأنّ الغباء الاصطناعي قام به فئة مرّوا من هنا فحطّموا قلوبَ البشر، ومزقوا أمنَ العالم، وغيّروا ملامح الجغرافيا وزوّروا حقائق العلم والإعلام.
ولقد بات واضحا أننا أمام جدارية تمتد من شرق العالم إلى غربه، فيها ملامح العالم الجديد، وأنّ هناك اختلافًا بين مفاهيم متعددة أصبحت متجددة في العالم الجديد، فمثلا:
الحرب أصبحت تعني: حرق الإنسانية قبل الإنسان، والمساعدة أصبحت تعني: تقديم المعونة والسلاح والشوكولاتة للقويّ وليس للضعيف المقهور، والظلم، أصبح يعني: الجلوس في بيتك بين أسرتك تحت قاذفات الطائرات، والظالم، هو: مَن يعاني من شحّ الدماء، والمتهم: من يعاني من شحّ الماء، ونصرة المظلوم تعني: الإجهاز على الضعفاء في طوابير الخبز. والحضارة تعني: إصابة خزانات الماء من بارجات البحار، وأما الإنسانية فمصطلح غير مفهوم، والمستشفى والمقبرة وقوافل اللاجئين الأبرياء والأماكن السكنية كلها أصبحت أهدافًا حربية أساسية وبامتياز، وأصبح الدعم واجبا في تقديم طيارين أكثر لتقليل العبء عن كاهل الطيارين – المساكين-، وأصبحت كلمة السلام، تعني: مصافحة المنتصر في حرب غير متكافئة، وأصبح الإعلام، معناه: نقل الدموع والجراحات على الهواء مباشرة ليستطيع العالم أن يرى مذابح دير ياسين وكفر قاسم وتل الزعتر بالألوان فقد فاته مشاهدتها من قبل، والقائمة تطول بمصطلحات تحولت من النقيض إلى النقيض، في عالم تحولَت فيه أشياء كثيرة وبلاد كبيرة.
ومن المعاني المستجدة، أنّ الترف لم يعد فقط في اليخوت والبخوت، ولا في السفر والسياحة، بل حتى في الحرب، وهناك دعوات للأصدقاء للتمتع على شاطئ الدماء والجلوس على جثث تحت الأنقاض، واللعب بالجماجم وتقديم التهنئة بخوض حرب شعواء تجاه المدنيين، لأنّ خوض المعارك مع العسكريين والدول القوية لا يشبع رغبات الترف العسكري، ولا يحقق مزيدا بالدماء لمن يعشق الدماء، ولعلّ فيلم زومبي له تأثير في عالَمنا المتحضّر ذي الترف بجميع أنواعه!!.
هل ستعجز لغات العالم عن إيجاد معنى لما تفعله إسرائيل في قطاع غزة؟. فكلمة الوحشية لم تعد تتناسب وحجم الشراسة في انقضاض الجبروت الحربيّ على حمامة السلام، ولا تتناسب مع السلاح المدجج بالسلاح أمام براءة الطفولة وضعف النساء، كما أننا نقرأ على مرّ التاريخ أنّ المستبدّ يسعى للسيطرة على الأرض والإنسان، وهو أقصى ما يريده الإنسان في تحقيق الأهداف الحربية.
أمّا أن يكون الهدف قتل الناس حتى في المقابر، وتدمير حتى المساجد، والاعتداء حتى على المستشفيات، فإنّ اللغات ستأتي عاجزة أمام وصف هذه المجازر، ولن يستطيع وصفها إلا من عاش تحت القنابل المدمرة من أهل غزة، فلننتظر حتى انتهاء الحرب لعلنا نتفق على كلمة تصف المشهد.. وسنبقى عاجزين عن وصفه كما كنا عاجزين عن إيقافه.
واليوم.. نحن أمام هزيمة منيت بها الإنسانية وما تمنتها، وأمام كارثة حلّت وما ندري متى ترتحل، وأمام غرقٍ لكلّ المبادئ والقيَم والسلوكات الراقية في بحرٍ مظلم، نحتاج إلى البحث الجديد عن مبادئ أُخرى تنقذ أجيالنا على هذه البسيطة، بل نحن أمام وقاحة من الترف العسكريّ الذي لم تعرفه الإنسانية من قبل إلا يوم قتلِ الأنبياء، ولا أعرف قوما قتلوا الأنبياء إلا قومٌ يهنّؤونهم العالَم الباذخ في قتل الأبرياء، فسلام على مبادئ الإنسانية وقد تحطمت بأيدي أبنائها.
ووداعا يا أهل غزّة.. فإنّ موعدكم الجنة!!.
agaweed1966@gmail.com