كتاب

آهات الغزيين بين التطهير العرقي وغياب القرار العالمي

أمست الحضارة الإنسانية مطالبة بالتوقف عن المناداة بالرّقيّ والتقدم والسموّ والرفعة والتقارب والتآلف وأنّ الإنسان أخو الإنسان، وعن كل المصطلحات البراقة، وذلك ريثما يتحقق لدينا الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان، التي نفقدها كلما واجه المستضعفين مأساة هنا أو هناك، في مواقف تشمئز منها الفطرُ السليمة، ويبكي على مشاهدها أحرار العالم.

فبينما أُناسٌ غافلون يبحثون عن لُقمة العيش في حصار مقيت، وهم ينتظرون قرارا دوليا يفك عنهم الحصار ويوفر لهم الغذاء والدواء، إذ بالليل يغشاهم وهم نائمون يقصف قرارهم ويدمر ديارهم، ويشطب عائلات بأكملها من السجلّ المدني، ويأتي يهجر الناجين منهم، فيُرَحّل الأحلام من الحصار إلى الدمار، لإخراج الناس من أرضهم، دون مراعاة لمواثيق ولا عهود، ولا رأفة ولا رحمة.

وفي المقابل نجد أناسًا –وما هم أناس- لا يملأ عيونهم سوى ملايين الصور لجثث تراكمت تحت الركام، ودماءً تراق من أطفال وشيوخ ونساء، وقتل الأطفال والأبرياء، وآهاتٌ تصرخ في وجه الإنسانية: أنقذونا.. أنقذونا!!. ولا مجيب لهم من بني البشر!!، سوى الأحرار الذين يحاولون إيقاف الدمار.

ففي وقت تعيش فيه غزّة بلا ماء ولا غذاء ولا دواء، والهواء فيها ملوّث والبناء على أهلها مدمّر، والأبناء بين الركام، والآباء قضوا نحبهم، حتى لم يعد عند أهل غزة دموع يبكونها، ويجبرون على تهجير قسريّ مقيت فلا يجدون طريقا سالما يسلكونها، فمن أين لنا أن نقنع الأجيال القادمة أنّ العفوية كانت وراء تهجير آبائهم مرّة تلو المرة؟ أم أننا ننسى أنّ الحقيقة المُرّة ستبقى مُرّة مهما زيفنا الحقائق.. وعودة الحقّ لأصحابه من الحقائق. فأين العالم أمام واجبه في حماية المدنيين؟. أم أنّ سياسة المكيالين تلاحقنا في زمن «النانو'؟.

ومن البداهة أنه في المدلهمات يفزع الإنسان إلى أخيه الإنسان، يستنجد به ليخفف الوطء عن كاهله، ويرفع العناء عن المدنيين والأبرياء، ويمنع التقتيل والتشريد، ضمن سلسلة نداءات تتفق شعوب العالم على ضرورة الاستجابة لها من غير نظر إلى دين أو عرق أو انتماء، لأنّ طبيعة الإنسان والفطرة التي خلقه الله عليها تستوجب منه العطف على أخيه الإنسان، وهي قاعدة لها من يخرج عنها ويفعل ما يمليه عليه هواه، وأما القلب عنده فلا تسكنه الإنسانية.

والعجب.. أنّنا كثيرا ما نجد أصحاب القوى ومن بيدهم القرارات الدولية، يصيبهم صمم حين الاستغاثة بهم من الضعفاء الفقراء، فهل طبقة أصوات المقهورين المضطهدين لا يسمعها إلا الذين يملكون قلوبا إنسانية؟ وقليل ما هم.

ففي واحدة من أبشع جرائم الخنق والحرق والخرق في حقّ الإنسانية، في عبثية تلعب بدماء وأرواح الأبرياء، ويصل الأمر إلى العبث بتاريخهم وانتمائهم إلى الأرض، فيأتي التطهير العرقيّ ليثبت للعالم أنّ بيننا من يراود نفسه لتدمير الكيان البشري والمنظومة الإنسانية، فنحن مع كلّ عبثية في وجود الإنسان، نصنع عقبة في طريق الحضارة لا نعرف أين ولا كيف نتائجها الوخيمة.

وتشتدّ البشاعة حينما يصل الدعم إلى غير مستحقه وإلى غير طالبه، فهل نحن ننظر إلى العالم بمرآة مقعّرة تنعكس فيها الحقائق؟ أم أنها حقيقة العالم لكننا لا نحسن النظر إليه؟ أم أننا أمام قانون الجاذبية فكلما اقتربنا من أرضنا أصبحنا أثقل في هذا العالم؟ أم أنّ أجدادنا حينما سكنوا الأرض وعمَروها وصنعوا حضارات عليها قدموها للإنسانية أخطأوا في ذلك؟ أم ماذا ولماذا كلّ هذا التأخر في قرار دوليّ حاسم أمام التقتيل والتشريد؟.

لعلنا نحتاج إلى زيادة عدد الحكماء وهم يحذرون من مغبة الحرب الشعواء، ومن خطورة تزايد آهات الغزيين أمام التطهير العرقي.

agaweed1966@gmail.com