عن تسعة وثمانين عامًا قضى نصفها في محراب العدالة وإحقاق الحق، مات القاضي الأردني ذائع الصيت عبدالفتاح العواملة، ولربما هناك لا سيما من أبناءنا وبناتنا من الجيل الجديد ممن لم تُتحْ لهم الفرصة للتعرف إلى أبي بلال، وتلك بحد ذاتها خسارة بألا نُعرّفُ الشباب بأسماء ثلة ممن كانت لهم بصامتهم في إسناد وتعزيز جهود تحقيق التنمية بمفهومها الشمولي في المملكة، أمثال هذا القاضي الحُر النزيه الذي شرّفني في العام ألفين وأربعة عشر بثقته عندما راح يقلّب لي صفحات ذكرياته عبر رحلة حياته منذ ولادته في مدينة السلط في الرابع عشر من كانون الأول من العام ألف وتسعمئة وأربعة وثلاثين وبكل ما حفلت به جعبة ذكرياته الزاخرة بمواقف العزّة والإباء والكبرياء الوطني الأردني، وكم كنتُ سعيدًا وأنا أستمع إليه وهو يستذكر الأردن ومراحل بالغة الدقة مرّت عليه حتى تمكن من الوصول إلى ما هو عليه اليوم، ولعل اللافت في حديثه رحمه الله كان في تلك المقدرة الفائقة على رواية الاحداث والوقائع بمنتهى تفاصيلها حتى تلك المتعلقة بشؤون القضاء، ويكأنه كان صورتها كانت أمامه للتوّ ولم يمض عليها عقود وسنوات طوال.
منذ طفولته بدت عليه علامات النبوغ والذكاء، ولو لم يكن قاضيًا لكان طبيبًا وتلك كانت رغبته الأولى التي التحق من أجلها في كلية الطب في جامعة بغداد بعد حصوله على البكالوريا سنة ستة وخمسين، إلا أن الرياح جاءت على عكس ما اشتهت سفن الفقيد إذ تم إبعاده بعد مكوثه شهرًا واحدًا فقط ليلتحق بعدها بكلية العلوم في جامعة دمشق سنة ثمانية وخمسين، وهناك كانت الأقدار بانتظاره أُصيب بكسر في كاحله الأيسر وركبته اليسرى، مما اضطره للسفر الى القاهرة من أجل العلاج، فعاد بعدها الى دمشق ليجد صديقه المرحوم سماحة الشيخ ابراهيم زيد الكيلاني قد قام بتحويل أوراقه الى كلية الحقوق، وتلك المسالة أحدثت نقلة نوعية في حياته حين وجد نفسه مرغماً على الدراسة في كلية الحقوق ليحصل على المرتبة الأولى ويحافظ على تفوقه منذ السنة الأولى حتى تخرجه» وحصوله على درجة الليسانس في الحقوق سنة اثنتين وستين.
محطات غنية ومتنوعة تنطوي عليها حياة القاضي عبدالفتاح العواملة الذي بدأ خدمة وطنه في اربد فالزرقاء فعمان، ولا يتسع المقام للإتيان على تفاصيلها، غير أنه لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن أبرز تلك المحطات إبّان عمله في الكويت للفترة بين عامي تسعة وسبعين حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كان خلالها قاضيًا أردنيًا ظل ماسكًا على جمر مبادئه وقيمه ونشأته العربية والإسلامية الأصيلة، فقال كلمته في صور ومواقف عرفها عنه أبناء الكويت الشقيقة، جسدتها رسالة وزير العدل والشؤون القانونية الكويتي غازي عبيد السمّار لأبي بلال عن فترة عمله في الكويت بقوله (كنتم خلالها مثالاً رفيعاً لسدنة العدالة وحملة لوائها).
رحل القاضي عبدالفتاح العواملة، وأمام هذا الرحيل نقف أمام هيبة رجل أفضى إلى جوار ربه، لكن باق بما كان منه من أعمال تُخلّد اسمه في سجل الأنقياء الأتقياء الشرفاء، ولئن كان الموت حقًا فإن نصيب الكبار أمثال أبا بلال أنهم بالموت يحتجبون فقط عن مرأى العين ولكنهم حاضرون فينا بصدق انتمائهم وإخلاصهم لوطنهم ومليكهم بما أسهموا به في رفعة الأردن وازدهاره. رحمه الله
Ahmad.h@yu.edu.jo