منذ اليوم الاول حاولت كتابة مقال عن بطولات الشعب الفلسطيني، لكنني فشلت، اختفت من قاموسي كل الكلمات، تقزمت الحروف، وانحنت، فسقطت كل الجمل.
اعترف بأن كل حروف اللغة العربية قد عجزت تماما لأن تنسج مقالة من قلب رغب ان يكتب مقالا مختلفا يقول فيه اي شيء للشعب الفلسطيني.. لكنه رفع الراية مستسلما، فكل لغات الدنيا بأحرفها وجملها لن توصل ما في قلبي من اختلاط للمشاعر بين الفرح والبهجة والانبهار والصدمة والخوف معا.
في بداية مقالي كنت احاول ان ارسم صورة للبطل الفلسطيني الذي شمّر عن ذراعه وصنع اسلحة اعجزت العالم، كنت اود ان ابدأ مقالتي عن اب فلسطيني ودّع طفلته في مقبرة الشهداء، اخذ بندقيته على عجل وتوجه الى الجبهة، كنت اود ان اكتب عن محمد ضيف الذي فقد زوجته وابنه وابنته في غارة سابقة، فخرج مسرعا الى الجبهة.
كنت اود ان ابدع في وصف الممرضة التي وصلها زوجها شهيدا، ففرحت به وزغردت.
كنت اود–لو يسعفني قلمي الجريح–ان اكتب عن جرحى يستشهدون في مستشفيات القطاع بلا ضمادات بلا مطهرات لجروحهم، من يطهر ارواحنا يا فلسطين؟
كنت اود ان اكتب عن طفلة اقتادوها الصهاينة وهي تبكي بخوف وفزع شديدين.. اقسم انها (شلعت) قلبي من مكانه.
عن ماذا اكتب إذن؟
هل اكتب عن عبارة سمعتها وعلقت في ذاكرتي من ابناء غزة (ما تقلقش)، نعم منذ اليوم لن اقلق.. منذ اليوم ولدت لدي ارادة من فولاذ، منذ اليوم تغيرت، تغير فيّ كل شيء، بعد ان وصلنا الى قعر البئر، من الخذلان واليأس والاحباط، ها هو الفلسطيني ينتشلنا الى باب البئر من جديد، ها هو يوسف الذي خذلوه اخوته يخرج من جديد.
يا ابناء الشعب الفلسطيني البطل اعلن لكم عن فشلي في كتابة مقالة.. يا ابناء مخيم الشاطئ الذي زرته مرارا، يا ابناء حي الشجاعية، يا ابناء خان يونس، اليوم تخونني الكلمات، وتفلت مني التعابير وتهرب من قاموسي الكلمات كما هربت امامكم «القطعان».
اليوم انتم تعيدون بناء ثقة الامة العربية والاسلامية بالجيل الصاعد، نعم جيل صاعد بنى من لا شيء انتصارا هزّ العالم، واعاد الروح المعنوية لامة كادت ان تموت روحها.
عرفت الان، الان فقط ماذا تعني عبارة: (ما تقلقش).