كتاب

الخطاب الملكي.. تأكيد الثوابت وبشائر المستقبل

حسم جلالة الملك بخطاب افتتاحه الأمس للدورة العادية الأخيرة لمجلس الأمة الحالي الموقف الأردني بكل أبعاده وتفاصيله، ببعده الداخلي والخارجي خصوصا مع الظروف الإقليمية المستجدة التي فتحت الأبواب على كل الاحتمالات، لأن الأردن بلد يشغل القلب والرئة للمنطقة، تخدمه مؤسسات دستورية وتاريخ عريق، يعيش فوق ترابه شعب عظيم لا يرضى بأنصاف الحلول، فتاريخ الدولة الهاشمية منذ البدايات يتسم بالعقلانية والوسطية وينادي بمنح الشعوب لحريتها وحقوقها؛ الجميع يستحق الحياة بنفس الظروف ولنفس الأسباب، وربما كانت لغة الخطاب بالأمس أنموذج? يجب أن يدرس للقادة والحكام.

الشأن الداخلي الذي يلامس الهموم الوطنية كان حاضرا بلغة سلسلة لا تحتاج للتفسير لأنها نسجت بإيمان التلاحم والثقة بين القائد والشعب، تطرقت لجميع الأمور الجدلية والخلافية أو التي تقبع في مساحة الشكوك بالمسيرة، أزالت اللثام عن العديد من القضايا الجدالية، حيث أعلن الملك بصريح العبارة البدء بتشييد المستقبل الجديد لبلدنا والبدء بفصل حضاري من العمل السياسي الذي يتغذى بالعمل الحزبي، فالمسار الديمفراطي يحتاج للحنكة والحكمة بالتخطيط بهدف بناء روابط الثقة بين المواطن والمسؤول والتي تنعكس في النهاية على تغذية روح الوطني? بهدف الحفاظ على المسيرة الممتدة منذ نشأة الدولة الأردنية، فهناك بشرى وبشارة ملكية بانتخابات نيابية ديمقراطية في العام القادم بتوقيتها الدستوري، بمشاركة حزبية فاعلة تعتمد على العنصر الشبابي المتجدد والمتحمس الذي عليه البرهان بالمشاركة برسم التغيير، والابتعاد الفوري عن تسمية أعذار الإخفاق، فقد قطعت الدولة الأردنية بكفالة ملكية شخصية شوطا طويلا من طريق الاستقرار الذي يترجم طموحات الشباب وأمانيهم ويعطي للنصف النسائي حقوقا أسقطتها الأيام بعد ان اصبح التحديث السياسي والاقتصادي والإداري نجلا شرعيا للرؤية التي اس?جابت للمطالب، مقرونة بأمنية مزدوجة بتعاون وثيق وأوثق بين السلطات التي أقسم عرابوها بالولاء والعطاء؛ دعم القطاع الشبابي والنسائي سيكون مصدر القوة القادمة لبناء هذا الوطن واستقراره، وقطاع الشباب يحمل بخطابة خطة عمل نسجها من عروقه ورواها من عرقه ودمائه، ليطلق الملك عبارة صريحة بدعم هؤلاء فعلاً لا قولاً، حيث الرؤية تترجم الواقع بأن المستقبل والاستقرار مرهون بعطاء هؤلاء النخبة، فحذار من اغتيال الأحلام أو وضع العقبات لمن ينشد التحديث والتطوير.

الأردن بلد الاعتدال والسلام، الوصي على المقدسات لجميع الديانات، يحتل مكانة مرموقة في قلب المنطقة والعالم، استحق الاحترام على مواقفة الثابتة الداعمة للحقوق، «هذا البلد له شأن ومكانة بين الدول، وهذا الشعب المعطاء لا يعرف الفشل، لأن تاريخه محطات من التحدي والإنجاز، فقد سطرنا قصص النجاح بأقل الإمكانيات، وبعزم الأردنيين وجهودهم»، الوطن عظيم وكبير وصاحب مهابة وحضور بأبنائه؛ واقع يفرض الافتخار بمنجزاته التي تمنع العبث والبدء الفوري بإغلاق منافذ الحقد والجهل، تجفيف آبار التشكيك، لتعظيم تراب هذا الوطن المقدس، ودعوة?صريحة بأن نكون جميعا بحجم الأردن ومكانته، وبمستوى شعبه وطموحاته. سيبقى وطننا صامدا تحميه زنود النشامى من أبناء القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، الذين قدموا التضحيات جيلا بعد جيل، وحموا الوطن بالمهج والأرواح، في سبيل إعلاء رايته، والحفاظ على منعته وقوته، ليبقى عزيزا مهابا، ويحدونا المستقبل القدم بحقائقه لنبني أردن الخير والوفاء؛ أردن كان على الدوام، منطلقا لما هو أعظم، يحتاج منا خطوات بثقة نحوه، بعزيمة شعبٍ متحد ملتحم لا يقهر ولا تتزعزع أركانه، يواصل العطاء بتحديات ولن تقزم أحلامه، ي?تمد على جدار معنوي تكفله قوة مؤسساتنا وجيشنا وأجهزتنا الأمنية، وطموح شبابنا الذي لا يعرف الحدود.

الشأن العربي كان حاضرا وتأكيد جلالته على بقاء الأردن في خندق العروبة، يبذل كل ما بوسعه، في سبيل الوقوف مع أشقائه العرب، واحد من الثوابت التي رضعناها صغارا وكبارا، فوطننا الكبير المستقر قد حفر بصخر الأيام ليكون القدوة والقيادة بتأكيد دائم بواحد من الثوابت الرئيسية لاستقرار المنطقة لخير شعوبها، بضرورة الاصغاء للغة العقل والمنطق واستخلاص العبر من التاريخ بأن الحقوق ليست للمساومة والأرض لن تغادر قلوب أصحابها مهما تبدلت الظروف، فمراجعة لفصول الماضي يجب أن تكون عبرة «أن منطقتنا لن تنعم بالأمن والاستقرار دون تحقي? السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين، ليحصل الشعب الفلسطيني على دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتنتهي دوامات القتل التي يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء، فلا أمن ولا سلام ولا استقرار من دون السلام العادل والشامل الذي يشكل حل الدولتين سبيله الوحيد».

الدولة الأردنية العصرية حقيقة لا تحتاج للبرهان، وجهود شعبها العظيم وسام اعتراف من كل أقطاب العالم، فإذا كانت الأمور الحالية قد خلطت كل شيء وفرقت الأصدقاء وأعادت رسم السياسات، إلا أن الثابت الوحيد بصلابة هذا الوطن المصطفوي الهاشمي بقيادة عميد الدبلوماسية العالمية، ومن يريد للحقيقة برهان، فعلية مراجعات خطابات جلالة الملك في كل المناسبات والتي تعتمد على الهدوء والعقلانية وتبتعد عن الإنفعالية لأنها تقرب ولا تبعد وللحديث بقية.