كتاب

خطاب جامـع وعناوين مفصلية

سمتان بارزتان يمكننا إطلاقها كي نصفَ بهما خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في افتتاحه لأعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة التاسع عشر يوم أمس، الأولى وفيما يتعلق بالحديث الذي يشغل بال العالم أجمع جرّاء تداعيات الأحداث التي تشهدها الأراضي الفلسطينية حاليًا من تصعيد خطير وأعمال عنف وعدوان، والثانية فيما لها ارتباط مباشر بالعناوين التي يمكن اعتبارها محددات أو محاور هامة أرادها جلالة الملك أن تكون خارطة طريق للمرحلة القادمة من عُمر الدولة الأردنية التي تمضي بقوة وثبات نحو مئوية أخرها على طريق ال?مل والبناء والانجاز، ولعلّ في كل سمة من هاتين السمتين ما يحتاج إلى شرح وتحليل لتناول أبعاد رؤية الملك القائد الذي بدا وحُقًّ له أن يكون متفائلًا بحجم الانجازات والمكتسبات التي تحققت في ميادين الصحة والتعليم والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، الأمر الذي تجلّى في قول جلالته (وطننا هذا عظيم بكل واحد فيكم، فلا تسمحوا لأحد أن يقلل من قيمة منجزاته التي صنعتموها أنتم، ولا تفتحوا بابا لحاقد أو جاهل، فلنكن جميعا بحجم الأردن ومكانته، وبمستوى شعبه وطموحاته).

أعودُ إلى الناحية الأهم وأتوقف على الإجابات المُحكمة التي شكّلت نهجًا راسخًا ومرتكزًا أساسيًا في سياسة وحُكم جلالته، وذلك عندما يكون الحديث عن القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية والمسيحية، حيث أعاد جلالته التأكيد على موقف الأردن الثابت الداعم لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل حصوله على حقوقه المشروعة والتي تتقدمها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران الف وتسعمئة وسبعة وستين وعاصمتها القدس الشريف، ثم تأكيده بل لنقل تمسّك جلالته بالدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس، والحفاظ علي?ا من منطلق الوصاية الهاشمية التي يعلم العالمُ أجمع حجم الجهد والدور الكبير الذي ينهض به الملك شخصيًا وامتدادًا لإرث هاشمي تاريخي عميق كان فيه الهاشميون هم الأقرب للقدس ومقدساتها، وجلالة الملك كان قد أعلنها صراحة وجهرًا على الملأ إنه سيواصل القيام بهذا الدور ولن يتراجع عنه مهما بلغت التحديات.

الملك كان صاحب رؤية بعيدة الآفاق، ولو أننا عدنا إلى خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير في أيلول الماضي، لعرفنا كيف كان جلالته يحذر من مغبّة الإجراءات التصعيدية التي لن تقود إلى ما يحلم به المواطن الفلسطيني من أمن وسلام عادل وشامل على أساس حل الدولتين، وفي ذلك قول جلالته (كيف يمكن للناس أن يثقوا بالعدالة العالمية بينما يستمر بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وتدمير البيوت) ثم نعود إلى اقتباس آخر من كلمة جلالته في مؤتمر دعم القدس (صمود وتنمية) الذي انعقد في شباط من هذا العام حيث قال حفظه الله(نجدد وق?فنا إلى جانب اشقائنا الفلسطينيين ونطالب المجتمع الدولي بتلبية حقوقهم العادلة والمشروعة).

ليس من السهل على المحلل أن يُلمَّ بجميع ما ورد في خطاب الملك عبد الله الثاني عبر أثير كلمات مقالة واحدة، فالخطاب بما اشتمل عليه من عناوين كما أشرنا في البداية، يحتاج إلى قراءات مرة أخرى، وأجزم أن القارئ في كل مرة سوف يخرج بعنوان فيه من الدقة والتفاصيل ما يمكن أن يُدرَجَ تحته الكثير، ولعلي أخلص إلى القول إن جلالة الملك يوم أمس قد عبّد الطريق أمام الجميع للنهوض بمسؤولياتهم على قدر التحديات التي تواجه المملكة، وجلالته الذي نستمد منه الأمل على الدوام يجعلنا ننظر بعين الثقة إلى المستقبل الزاهر الذي يريده لأبنائ? الأردنيين والأردنيات، وبذلك على كل مسؤول في الدولة أن يفكر فيما قاله الملك ويتقدم إلى خطوط الهمّة والعزيمة ويعمل بجدّ وإخلاص وأمانة بحجم القسم الذي أدّاه أمام صاحب الأمر، فمجلس النواب مطالب بتلبية طموحات الملك على طريق تحقيق المزيد من المكتسبات في مسيرة البناء والتعزيز والتحديث، وهي المسيرة التي تعهّد جلالته بالحفاظ عليها بقوله (سنواصل العمل من أجل الحفاظ على هذه المسيرة الممتدة منذ نشأة الدولة).

الأردن دولة عربية نابضة باسم العروبة، والمملكة الأردنية الهاشمية عظيمة بقيادتها وشعبها وبما يجمع الطرفين من محبة وتقدير ومودة وصدق انتماء ووحدة حال فيها يلتقي الجميع على فكر وغاية وأهداف واحدة، مثّلت الروح الوثّابة التي ميّزت هذا الحمى العربي الأصيل، وعندما يقول جلالته في خطاب العرش (وهذا الشعب المعطاء لا يعرف الفشل، لأن تاريخه محطات من التحدي والإنجاز، فقد سطرنا قصص النجاح بأقل الإمكانيات، وبعزم الأردنيين وجهودهم) فتلك كلمة لها معانيها ودلالاتها التي علينا جميعًا أن نتخذ منها بداية نعيد فيها شحذ الهمم وال?زائم كي نمضي مع عبدالله الثاني يدًا بيدٍ إلى ما هو أفضل وأعظم، وإننا لنراه قريبًا بعون الله.

Ahmad.h@yu.edu.jo