كتاب

الأردن وحكمة تفادي كوارث الشعوب

مع التقدم التكنولوجي، أصبحت الشعوب تمارس رؤية دمارها كما رؤية قطف ثمارِها، وتعيش الوقائع ساعة بساعة، يدفعها الشغف في الحالين للمتابعة الحثيثة، فهذا يكون سعيدا والآخر شقيًّا، وهذا صامتً وآخر شامت، فالخبرُ الذي كان يأتينا بعد صناعته بشهر وفي تغليف، ها هو يأتينا على الهواء مباشرة، وهنا تقع أمورٌ يتنبه إليها من تنبه.

وليس من نافلة القول: إننا نعيش صدمات متوالية متتالية عنيفة على مستوى الإقليم الساخن، كأنه يعيش على صفيحتين أحدهما تتلظى بالخلافات وأخرى تكتونية هي أرف بنا – بفضل الله تعالى- من أنفسنا.

في مواجهة أهلنا الفلسطينيين لتصرفات الإسرائيليين غير المسؤولة، والتي تظهر النزاع كأنّ الفلسطينيين أتوا بالأمس إلى هذه الأرض يقطنونها!!. وبعد سلسلة عنيفة من السجن والتشريد للمقدسيين خصوصا، وانتقال حالات الفزع والهلع إلى عموم أرض فلسطين، كان لزاما لحالات الضغط غير المسبوق أن تولّد انفجارا موقوتا غير محدد وقت اندلاعه.

ففي غزّة حيث المواجهات الدامية والدموية، بين سكان القطاع الذي ضاق عليهم الحصار دون رحابة إلى في صدور الشعب الذي يعيش على أمل الانفراج والعودة إلى حرية الإنسان والأوطان، اندلعت عملية مقاومة هي في نظر البعض مجازفة وفي نظر المحتلين للتراب وإطار القطاع، عملية بشعة تتطلب العقاب من الجلاد الذي لا يرحم.

وبعد العملية الأخيرة في جنوب فلسطين، بدأت عمليات القصف المضاد بالطائرات التي تدمر كثيرا مما أتت عليه، بالصواريخ الموجهة والفنابل ذوات العدد، فيأتي الردّ الإسرائيلي كعادته ليس عنيفا فقط بل إنه ردٌّ الذي لا يرحم وليدا صغيرا ولا امرأة ولا شجرا ولا حجرا، ولا يفرق بين المجردين من السلاح وبين المقاتلين، في صور تخلّف في أذهان الأجيال عنصر المقاومة وتتوالى الأجيال تعيش على الردّ والردّ المعاكس، ونبقى في عداء مستمرّ إلى أن يأتي اليوم الذي يعود الحقّ فيه لأصحابه.

ولقد حاول الأردن -وما زال يحاول-، وهو لن يتخلّى عن واجبه تجاه الإنسانية، في المناداة بحتمية الحكمة في تناول القضايا المصيرية، للخروج بأقلّ الخسائر، ونرفع الأعباء عن الشعوب، فكم هي المرات العديدة التي حذر فيها جلالةُ الملك عبدُالله الثاني ابن الحسين، وفي عدة مناسبات، من أنّ القضية الفلسطينية تحتاج إلى تفعيل القرارات الدولية التي تنصف الفلسطينيين، وأنّ الحقّ الفلسطينيّ لا يمكن التغاضي عنه لا على الورق ولا على أرض الواقع، وأنّ الشعب الفلسطيني له حقّ تقرير المصير، وأنّ المفاوضات التي من شأنها تحريك عملية السلا? لا يمكن تهميش الفلسطينيين عنها، وغير ذلك م حُزَم النصائح، والحِكم البالغة.

وتأتي عمليات المقاومة على أرض ذات خصوصيات حساسة، تجعل الأردنّ يتابع عن كثب، قيادة وحكومة وشعبا، فالأردنّ صاحب الوصاية الهاشمية على القدس والمقدسات، وله ارتباط تاريخي بالإنسان والمكان في هذه القعة المباركة من الأرض – غربيّ النهر وشرقيّه-، والعالم يعلم ذلك، ومن أراد أن يتجاهل الحقائق، يجد نفسه أنه بحاجة إليها ولو بعد حين.

ومن خلال التحرك السياسيّ والقياديّ العاجل، للحدّ من تفاقم الأوضاع بين طرفي النزاع في غزّة، نجد أنّ الملك وجه النداءات العاجلة التي ترفع البلاء عن الشعب في غزة، فقد أكد جلالته خلال اتصال هاتفي تلقاه من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل: «أن الأوضاع ستستمر بالتفاقم، وسيستمر التصعيد الخطير في ظل غياب حل عادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.'

وأكد على «أهمية التنسيق بين الأردن والاتحاد الأوروبي للعمل نحو وقف التصعيد، محذرا من التداعيات الخطيرة على جهود التهدئة الشاملة وعلى أمن المنطقة بأكملها».

ويأت دفع الجانبين لضبط النفس وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنسانيّ، ضمن التحذيرات التي أطلقها جلالته.

إنّ عدم تحكيم القرارات الدولية التي تجعل الحوار ناجحا، وأنّ الحالة التي يعيشها الفلسطينيون تولد عندهم مبدأ المقاومة الحتميّ الذي يولد فطرة مع الإنسان، كما أنّ الظلم الذي يحيق بالفلسطينيين يجعل إنصافهم ضرورة إنسانية، وغير ذلك لن تهدأ المنطقة إلى بالمنطق الذي يعيشه أهل الأرض، لا الذي يمليه عليه ولو اجتمع عليه أهلُ الأرض!!.

agaweed1966@gmail.com