إذا أردنا مراعاة شؤون صحتنا كما يجب، علينا أن نكونَ على دراية كافية بالأمور الصحية حولنا وفي ذاتنا، وعندما نقول إن شخصًا ما مثقف صحيًا فاننا نقصد أنه يمتلكُ فهمًا كافيًا لسبل مراعاة صحته وعافيته ورفاهه، وهذا يأتي في سياق الكلام عن محو الأمية الصحية والتي يمكن تعريفها بأنها مجموعة المعارف والمهارات والتدابير التي يجب على الأفراد و المجتمعات القيام بها لضمان الرفاه العام للإنسان وعموم المجتمع، فمحو الأمية الصحية تتمحور حول قدرة الشخص على الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها بشكل جيد واستخدامها في الوقت المناسب لاتخاذ قرارات مستنيرة تخص صحته وعافيته، وهذا يشمل القدرة على فهم التعليمات الطبية، والتنقل في نظام الرعاية الصحية، والتواصل بشكل فعال مع مقدمي الرعاية الصحية.
أما منظمة الصحة العالمية فقد عرفت الأمية الصحية بأنها عدم القدرة على إتخاذ قرارات صحية صائبة في جانب أو عدة جوانب من الحياة الشخصية أو الإجتماعية أو المهنية فيما يتعلق بنوعية نظام الصحة وأية أمور لها علاقة بالصحة الشخصية أو صحة افراد الاسرة.
وقد يتساءل البعض، هل للأمية الصحية أي تاثير مباشر أو غير مباشر على حياتنا اليومية؟ الجواب، بكل تأكيد نعم، خاصة عندما تثار مواضيع جدلية مثال ذلك، ما وضع مؤخرا في خانة الجدل موضوع الحملة الوطنية لمطعوم الحصبة. لا بد من القول أن محو الأمية الصحية يؤثر بشكل مباشر على النتائج الصحية لافراد المجتمع برمتها، وقد يعاني بعض الأفراد من ذوي المعرفة الصحية الضحلة من فهم التعليمات والنصائح الطبية، مما يضعف الالتزام ببرامج الوقاية ويؤدي الى إنخفاض في مستوى استخدام الخدمات الوقائية أو برامج تعزيز الصحة وحتى برامج العلاج، مما سيؤدي حتما إلى نتائج صحية سيئة وربما إرتفاع في تكاليف الرعاية الصحية.
ومما لا شك فيه، أن الأمية الصحية تشكل تحديات كبيرة لكل فرد من افراد المجتمع ولكن بدرجات متفاوتة، حتى الأفراد المتعلمين والمثقفين قد يواجهون صعوبات في مواقف تتعلق بالخيارات الصحية أحيانا، إما بسبب المفردات المستخدمة في تقديم المنتج الدوائي أو الغذائي أو بسب عدم إستيعاب الشرح حول الخطة الوقائية أو العلاجية، كما تلعب المشاعر دوراً في ذلك، فعندما يكون الفرد غير واعي أو مدرك لأمر ما يصعب عليه فهم المدخلات وينتهي به الأمر لترك المشاعر العمياء أن تقرر بدلا عنه كما هو الحال اليوم مع مطعوم الحصبة.
يفترض نهج الاحتياطات الشاملة الذي يوصي به كثير من خبراء الصحة أن جميع المرضى لديهم فهم محدود للإجراءات والمعلومات، مما يتطلب من المهنيين تقديم تفسيرات وتعليمات واضحة باستخدام لغة بسيطه مدعمة بمقاطع فيديو مبسطة إن لزم الامر، فعندما يتلقى الناس معلومات دقيقة، واضحة و سهلة الفهم، فإنهم يكونون مجهزين بشكل أفضل للعناية بصحتهم واتخاذ القرارات الحكيمة بما يخص الشان الصحي وعافيتهم.
تشمل استراتيجيات تحسين محو الأمية الصحية تبسيط المعلومات الصحية، واستخدام الوسائل البصرية، وتعزيز التواصل المفتوح بين المرضى ومقدمي الخدمات الصحية، وتوفير برامج التثقيف الصحي في المدارس والأماكن المجتمعية، يمكن أيضًا تحسين محو الأمية الصحية من خلال السياسات التي تجعل نظام الرعاية الصحية أسهل في التنقل.
للبروفوسور الياباني ناكاياما مقولة شهيرة مفادها «أن اتخاذ كل شخص قراره بناءً على قناعاته الشخصية، بعد أن يحصل على المعلومات ومشاركته هذه العملية بشكل مرئي، ليس وعياً صحياً فقط، بل هو الشكل الأمثل للمجتمع الديمقراطي.
يعد تثقيف المريض شيئًا جديدًا نسبيًا في مجال الرعاية الصحية، في الماضي، كان تثقيف المريض والمواطن يتألف بشكل أساسي من نقل المعرفة والمشورة القائمة على الطب الحيوي، إلا أن الأبحاث اظهرت مؤخرا بأن هذا غير فعال وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، نظرًا لأن الرعاية الصحية قد ابتعدت عن تطبيق النهج الأبوي التقليدي المتمثل في «الطبيب أعلم وأدرى» إلى نهج الرعاية المتمحور حول المريض، لذا يجب أن يكون تثقيف المريض مصممًا لتلبية احتياجاته الفردية، علما بأنه هناك فرق بين التثقيف الصحي ومحو الأمية الصحية، أحدهما يعلم المرضى عن صحتهم وطرق تحسينها بينما الآخر يقصد به الدرجة التي يمكن للمريض من خلالها اتخاذ القرارات الصحية المناسبة، وكلاهما ضروري لتحسين النتائج الصحية.
إن بناء شراكات حقيقية بين المواطن و صانع القرار الصحي ومقدم الخدمات الصحية يعد من الوسائل الفعالة لتعزيز محو الأمية الصحية، فلا يمكن لشخص يجهل أبسط المعلومات الصحية الحفاظ على صحته.
خلاصة القول، نحن بحاجة إلى تغيير نظرة مقدمي الخدمات الصحية والقائمين عليها تجاه المريض، من شخص متلقٍ سلبي للتعليمات الصحية، إلى شريك حقيقي يسهم في صنع القرار، أنذاك يصبح هناك حاجة ماسة الى تعلم مهارات الحوار و التواصل بين مقدمي الخدمة الصحية والمواطن، وأن ننظر الى المرض من خلال عيون المريض، فاليوم الرعاية الصحية اصبحت تتمحور حول الإنسان، بحيث تُبنى حول الاحتياجات الصحية وتوقعات الأفراد والجماعات، بدلاً من التركيز على الأمراض بحد ذاتها.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق