كتاب

القبول الموازي بين الواقعية والترف

تجسيد واقع القبول الموازي في الجامعات الأردنية من رحم المعاناة والتجارب، نتيجة منطقية لحلول جذرية لأطراف المعادلة؛ الجامعة والطالب والأهل والمجتمع، فالطموح الذي يوحد أمانينا هو البوابة الجامعية، يمنحنا بحدودٍ درجة من المساواة، يقابله واقع مؤسف بأن جامعاتنا تعاني من مديونية متصاعدة ومحدودية بالموارد، وتناقص قيمة الدعم الحكومي، وارتفاع فاتورة النفقات، بينما يعاني الطالب من محدودية المقاعد الدراسية الجامعية التي لا تتناسب مع الزيادة السكانية، حتى غدت فرصة الحصول على المقعد الجامعي سيفا يهدد مستقبل الطلبة على مقاعد الدراسة، ومؤشر قلق عائلي لمحطة الأبناء بعد المدرسة، ضمن ظروف متجددة ومتغيرة على أسسس الامتحانات والتقييم، وعبقرية فرضت وجودها بكرم غير معهود وبعيد عن المستوى والواقع بالعلامات الفلكية التي تنعكس على معدل الثانوية العامة؛ الذي يشكل بوابة القبول الجامعي، فهذا التضخم الوهن ببورصة المعدلات العالية، شكل ضغطا عائليا واجتماعيا ووطنيا مضاعفا بسلبية، أعطى انطباعا للبعض بعبقرية تستحق التضحية لدخول كليات الصف الأول التي تعاني من الزحمة، وهي ذات الكليات التي تحتضن السباق المحموم بمقاعد القبول الموازي والقبول الدولي، حتى لو كان الثمن قرض بنكي أو مزاد لتسويق الأرض أو غربة بغير موعد.

لا نريد لعبارات التنظير أن تحتل مساحة من النقاش، فمعطيات المعادلة تحتاج للتوضيح، وأنا أدرك وأعترف سلفاً أن المعدل هو الأساس للقبول الجامعي وخصوصا التنافسي، حقيقة غير خلافية، ولكن الرسوم الجامعية لهذا المسار لا تغطي الحد الأدنى من التزامات الجامعات التي تعتمد بمواردها على الرسوم الجامعية، عوائد الاستثمار (إن وُجدت) بالرغم من غموض فقراتها، الدعم الحكومي، والتبرعات، وجميع ما ذكرت، لا يسعف بديمومة الدورة الحياتية للجامعة بالأداء، خصوصا أن معظم الجامعات الحكومية المنتشرة بربوع الوطن لها ظروف مؤلمة، وهناك من الكليات الجامعية والضرورية لا تساهم بأي دخل مادي، ليصبح الاعتماد على الكليات ذات المحج ببوصلة الاهتمام الجامعية وقائمتها تضم أساسا الكليات الطبية، التي بشقها المنافس، تعمق الجرح النازف بالموازنة الجامعية، فكانت البذرة التي غُرست وأنتجت فكرة القبول الموازي والدولي برسوم مضاعفة، لتعويض الجامعات ومساعدتها على الاستمرار بأدائها المتميز، ببناء جيل المنظومة المعرفية والمسلح بالعلم المتجدد للمساهمة ببناء الأردن القوي المستقر، ضمن منظومة التساوي بين المدخلات والمنتجات.

لقد طُبِقَت الفكرة بمنتصف تسعينات القرن الماضي، بقبول مرحب لعدد من المقاعد الجامعية (نسبة معينة) يظفر بها الأسرع بالتقدم، ضمن معدلات بأفرع الثانوية تؤهل لدخول الكلية المطلوبة، ومع ارتفاع أعداد الطلبة، والزيادة المضطردة بمعدلات الثانوية العامة وأفرعها المختلفة، أصبح القبول الموازي والدولي، ضمن مسار تنافسي لاختيار الطلبة ويعتمد على معدل الثانوية العامة، وهو أمر يحاكي الواقع، فشكل عائدا ماديا يساعد الجامعات على استمرارية الأداء، دون الخضوع لظروف وإملاءآت تحت أنين المساعدات المشروطة، خصوصا بتواضع الدعم الحكومي الذي يشمل كافة الجامعات الحكومية.

بين فترة وأخرى، يتصدر موضوع القبول الجامعي الموازي والدولي، أجندة الصاونات السياسية كمحور مهم لكل عائلة أردنية، يدغدغ همومها ويعزف على سيمفونية آمالها المستقبلية بأبنائها، وكل ينظر اليه من زاوية مختلفة وحادة تتعلق بذاته، وربما يشكل مادة خصبة للتعبير عن صور الوطنية والمساواة التي تطبق بجزئية ضيقة، ولن أخفي الهواجس بوجود شكوك لأجندات من خارج أسوار الجامعات، لعدم وجود حلول للتطبيق على أرض الواقع، مذكراً، أن محاصرة الطلبة بالقبول الجامعي لأعداد محددة، سيجعل من الطلبة أصحاب المعدلات العالية بالهجرة الخارجية، للبحث عن مقاعد جامعية بدول الجوار ودول الاستثمار التعليمي، التي فتحت أبواب جامعاتها الخاصة وزادت استثماراتها بتسهيلات قبول جامعية، تغري الطلبة، بأقساط عالية التكلفة تدفع بالعملة الصعبة على حساب الميزانية الوطنية، فيصبح أنين المعاناة مزمناً، بل ودخل منافس جديد بتراخيص سخية لفتح كليات طبية بالقطاع الخاص، حيث البديل الالزامي بثمن باهض لا يتناسب ومستوى الدخل، ناهيك عن العوائق اللوجستية، والأمل بمجلس التعليم العالي ورئيسه البحث بحلول الواقع وبعيدا عن شعارات انتهى مفعولها التخديري لأمانينا، فلا يعقل أبدا وتحت أي منطق أن نغلق أبواب جامعاتنا لنرصف طريق الهجرة لدول الاستثمار الجامعي، مذكرا أن ثقافتنا المجتمعية لا يمكن تغييرها بقرارات مرحلية، بل علينا بإيجاد ورشات عمل متخصصة وسياسة إعلامية واضحة تستهدف توضيح طرق المستقبل بفرص عمل آمنة، فلا منطق أبدا من التهديد ببطالة لخريجي كلية الطب بسبب زيادة عدد الخريجين؛ منطق يجب التعامل معه بحذر، هناك زيادة بعدد السكان، يوازيها ارتفاع بنسبة الأمراض والحاجة لتوفر قطاع طبي متكامل؛ فنحن والعالم قد مررنا بتجربة قاسية حتى الساعة أثناء الحرب الوبائية التي فرضت شروطها على سلوكنا، استنزفت منظومتنا الصحية والتعليمية والمالية، وعلينا أن نتذكر بعدم حصرية الفوائد التي تجنى على الجامعات، بل هناك مصلحة وطنية بالدرجة الكاملة لهذا البرنامج الذي وفّر الفرص الدراسية لأبنائنا داخل حدود الوطن بعد أن كانت جامعات دول الجوار والاستثمار تستقطب طلبتنا وتوفر الفرص الدراسية لهم بما يتوافق مع رغباتهم، الأمر الذي يجعل من إلغاء البرنامج الموازي أو محاصرته لوأده بالجامعات الحكومية، شكلا من أشكال الانتحار أو التضحية بمستقبل النخبة، فحذاري من نزع السيف من غمده، بدون حلول منطقية لمصلحة طرفي المعادلة، فمسألة القبول الموازي ليست من نماذج المقارنة بين الواقعية والترف، وعلينا القيام بزيارة ميدانية للمراكز الصحية بالقرى بهدف الكشف الحسي وللحديث بقية.