عند ذكر القضية الفلسطينية تلزم عمان خطابها الرسمي بذكر حل الدولتين، كحجر زاوية تنطلق منه لعلاج أي تصعيد على الارض أو لإطلاق أي مبادرة أو حتى للتعليق على التطورات في الضفة والقطاع، حتى أصبحت إقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة على التراب الفلسطيني ثيمة ثابتة للخطاب الأردني الرسمي ومبدأ لا تتجاوزه سياستها الخارجية، إضافة الى دعمها الحصري للسلطة الفلسطينية.
لكن عمان تدرك جيدًا، استحالة إقامة دولة فلسطينية بظل الواقع الذي تفرضه إسرائيل اليوم على الارض، من انشاء للمزيد من المستوطنات التي تلتهم الضفة وتحول مدنها الكبرى الى «كنتونات» تجمعات بشرية محاصرة بالمعابر والاطواق الامنية، ودعم (إيجابي وسلبي) لإرهاب المستوطنين الذين يعيدون عصابات الهجاناه وشتيرن وأعمالهم قبل النكبة الى الذاكرة، ويحيون شبح الترحيل «الترانسفير» من جديد.
كما تدرك عمان ايضا أن إسرائيل تغيرت، فانزياح مزاج شارعها العام نحو اليمين المتشدد، والتغيرات (الديموغرافية-السياسية) التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي، نتيجة ارتفاع أعداد المستوطنين وتضخم تأثيرهم السياسي الذي يشي به عدد نوابهم في الكنيست ووزنهم في مطبخ السياسيات الاسرائيلية، وهجمتهم الحالية للسيطرة على الدولة العميقة (التي تظن عمان بها الرشد حتى في الخصومة) يحمل المراقبين على اعلان موت صهيونية بن غوريون لصالح بعث نسخة مشوهة من صهيونية جابوتنسكي.
وكذلك تلتقط عمان الإشارات القادمة من الضفة الغربية، فالسلطة فقدت الكثير من وزنها وتأثيرها بين أوساط الشباب خصوصا، نتيجة التنسيق الأمني الذي وضعها في موقف محرج بين محاولات المقاومة الشعبية وإسرائيل، إضافة لعجزها عن تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، فلا هي تمتلك شرعية المقاومة أو الانتخاب ولا ضرورة الدولة في نظر شريحة واسعة من أهل الضفة، وزد على ذلك الغموض الذي يكتنف إجابة سؤال خلافة محمود عباس على رأس السلطة، وضرورة حصول انتخابات جديدة (مع إعادة اخراج شكلها واليات حصولها).
كل ما سبق يحيل عمان بالضرورة للتخلي عن خطاب حل القضية الفلسطينية -ولو مؤقتا- وتبني خطاب إدارة الصراع فيها، إضافة للعمل على تحسين نوعية حياة الانسان الفلسطيني ونيل حقوقه، (كما خلص تقرير مهم صدر عن معهد السياسية والمجتمع)، فنظرًا للتعقيدات الكثيرة والمتسارعة في ملف الحل، وافتقار أطراف الصراع والمؤثرين الدوليين فيه لإرادة الحل كذاك، فالجميع يميل الى فرض واقع جديد على الأرض أو الى تقليل الاضرار ومحاصرة التبعات في أحسن الأحوال.
لإدارة الصراع تحتاج عمان الي استعمال كل أدواتها المتاحة، والاستثمار في أدوات جديدة ان أمكن، فلابد لها من مد وإعادة احياء شبكات تأثيرها في الداخل الفلسطيني وفتح أبوابها وآذانها لعرب الداخل المحتل كذلك، واعداد الأرضيات المناسبة لها للتحول من ردة الفعل الى صناعة الفعل في الأيام القادمة وما تحمله من سيناريوهات في الضفة الغربية خصوصا.