كتاب

القبول بالكليات الطبية

القرار البركاني الذي اتخذه مجلس التعليم العالي بتخفيض أعداد المقبولين بالكليات الطيبية تسبب بصدمة شعبية للعائلات الأردنية التي تجد في تعليم أبنائها بصيص أمل لمستقبل يترجم بعضا من الأمنيات، بل كان القرار كفيلاً بتجفيف طموحات الأبناء المجتهدين والمتفوقين بعد انهيار هرم الطموحات.

وبجزئية مستترة يهدف لإلزامهم للمسير بخطة الظل والطريق الصعب للوصول لمحطة تحقيق الأحلام والتي تتناسب مع قدراتهم وسنوات اجتهادهم وتحصيلهم المؤهل؛ خيار الذهاب للدراسة خارج حدود الوطن أو السير الالزامي بمسار الدخول بالكليات الطبية للقطاع الخاص كتوثيق مجز للاستثمار. تحديد أعداد المقبولين وتخفيظها هو قرار وطني لا يشكل نقطة خلافية مع أصحاب القرار، نوافق فيه على المحتوى ذات البعد الوطني إن وُجدت المبررات، ونتحفظ على طريقة تنفيذه بنظام الفزعة الذي أنزل مقصلته على أمانينا دون ذنب أو مقدمة، بل نتيجة رد فعل لاعتبارات ?ابقة لسنا جزءا من تكوينها أو سبباً لتشكيلها، حيث وجد القرار رفضا شعبيا مطلقا بسبب افتقاره للمبررات.

قبل البدء بسرد التحفظات على القرار فلا بد من استعراض لواقع الحال الذي يبدأ بالطموح في مراحل الطفولة، يتغذى بالتشجيع عبر سنوات الدراسة، الذي يعطي دفعة الأمل للطالب بمستقبل يليق به، ثم يكون تحصيله المدرسي مؤهلا للمنافسة على مقعد بكلية الطب بغض النظر عن مسميات القبول التي حققت العدالة الاجتماعية، إنعكاسا للتركيبة السكانية المقرونة بنمط الحياة اليومية للمواطن الأردني على أرضه، وهناك عامل ديموغرافي يساعد على انتشار هذا النمط من الطموح والتفكير والمتمثل بالزيادة السكانية عبر السنوات مهما كانت ظروفها أو معدلها، ف?ي حقيقة تسببت بزيادة الطلب على كل المهن الخدماتية ومنها المهن الطبية الأساسية والمهن الطبية المساعدة، وكل ذلك نابع من خلفية فكرية راسخة بعقلية المواطن الأردني وبكل فخر، بأن التسلح بالشهادة الجامعية اليوم هو متطلب استمرار وجودي، والبعض يعتقد وينفذ الوعد ببذل كل امكاناته بهدف تعليم أبنائه وحلم يراود البعض بوجود طبيب في العائلة على الأقل؛ طموح يشفع بدخول موجات السعادة لأرضية البعض (وكاتب هذه السطور واحد منهم)، فتواضع الدخل والامكانات وزيادة المسافة بين الطبقات الإجتماعية على حساب الطبقة الوسطى، يجعلنا أبطال ت?حيات للحاق بقطار العلم وإن جهدنا، حتى إذا وجدنا العقبات أمام المسيرة، لا نقف أو نستسلم، بل نبحث عن الطرق البديلة للوصول للمحطة المقصودة بمسافة أبعد أو أقرب، وبكلفة أقل أو أكثر.

تخفيض أعداد الطلبة المقبولين في الكليات الطبية بسبب تواضع إمكانية الجامعات وبنيتها التحتية أو بطالة مقنعة بين الخريجين لا يستند لمبرر قوي مقنع، وهو مصدر تذمر من أعضاء هيئة التدريس أحياناً، فالظروف الذي ذكرتها على عجالة بالفقرة السابقة، كافية للتوضيح الذي يعفينا من الردود الزجلية، فتطور العالم يحتاج لزيادة بالأعداد شريطة وضوح سياسة التوزيع، ولدينا القدرة على زيادة أعداد أعضاء الهيئة التدريسية بالتخلي عن الأنانية وأسلوب التطفيش والترهيب، كما يجب على الجامعات التي تفكر بدخول نادي العالمية أن تعتمد سياسة التوس? الأفقي بقاعات الدرس المقرونة بالتوسع اللوجستي، حتى لا تعتمد كموانع للتقدم، وربما التلويح بورقة الخوف من الجيل القادم بسياسة الإحلال، أن تحفظ بمتحف الذكريات بل أن تتلف من سجلات العمل، فجيل الحاضر على درجة من الذكاء للفصل والتمييز.

اعتماد سياسة التخفيض التدريجي بأعداد المقبولين بالتزامن مع وقف التوسع بفتح كليات طبية خاصة، قد يكون بديلا قابلا للقبول والمناقشة للتطبيق على أسس التخفيض الواهنة، ولكن التشدد بتطبيق معطيات المعادلة السابقة والتساهل بشقها الآخر، يجعل الشكوك بدرجة اليقين الحاضر المنتدب، فتصبح المصلحة العامة أولوية على الهامش، تستخدم للخطابات ودغدغة عواطف الناس بدون ضرائب أو التزامات، على أن يسبق ذلك مؤتمر وطني يشارك فيه أصحاب الرأي والرؤية، ويمنع حضوره بعض الأشخاص المنظرين الذين سئمنا حضورهم وكلامهم وخططهم، فأفكارهم قد انتهى ?فعولها، حتى نتخلى عن لغة الشك بالمصالح.

نتمنى على أصحاب القرار بدراسة ردود الفعل التي رافقت هذا الزلزال العلمي، احتراما لشعور الوطن، بدون العرائض التي تبرع البعض بتبنيها حتى لا تسجل انجازات لهم، ويقيني أن معالي رئيس مجلس التعليم العالي سيبادر بإعادة النظر، رسالة قد تمنح مناعة وقوة ورسالة لاستمرارية الاجتهاد والتحصيل، فمعظم من صفق للقرار يدرس أبنائه بكلية الطب ويحضر لإرساء أسس مقاعد لأحفاده بالمستقبل وللحديث بقية.