بعيدًا عن السياسة وملفات الشأن العام، ولئلا تعاتبنا الحياة وتلقي باللائمة علينا في يومٍ ما بأننا مررنا عبر طرقاتها ودعتنا للوقوف عليها مليًّا ولم نستجب، فلا نحن توقفنا بينما ظلت عجلاتها تدور، وفي كل يوم تطالعنا منها مخبآت صارت ظاهرة بعدما كانت بالأمس في رحم القدر.
المرء منا صار يحيا في اليوم الواحد أكثر من حياة، ويعاين فصول السنة الأربعة، فتارة تراه مبتسمًا بخبرٍ مُفرح أتاه من هنا وهناك، وتارة ينقلب مزاجه فيتحول إلى إنسان يلفّه الحزن من كل جانب، ولكلٍ منا مع تصاريف الحياة نظرة وتفسيرًا ومنطقًا في الحب والكُره، ولكل منا تقديراته وميزانه الذي يحكم به على الأشياء، فما نراه صوابًا قد يراه البعض خطأً وغير جائز، وما يفرحُ فلانًا قد يُغضبُ آخر، حتى التحية والسلام التي يلقي بها علينا الناس، قد نراها بلسمًا وشفاءً وباب مسرّات وأفراح يغرسها الآخرون فينا، في الوقت الذي نرى فيه?سلام سين من الناس، لا يقع إلا في إطار الغلِّ والبغضة والحسد، فنحن في الحياة كما نحن مع الحب ومع من نحب، فلكل محب في الهوى مذهبه.
بالأمس كنت مع أحد الأصدقاء، وبينما كنا نحتسي فنجانًا من القهوة وإذا بهاتف يبلغه بوفاة صبية شابة في مقتبل العمر، ثم راح يحدثني عن حياتها التي غلب عليها طابع الطيبة والبساطة في العيش، وفي الوقت الذي رأيت الحزن قد بدا على مُحيّاه، وافقته على إن الحدث جللٌ ولكنني حاولت العمل على إقناعه بألا يبالغ في الحزن كما نحن مطالبون بألا نبالغ في الفرح، فاقتنع الرجل مني وشكرَ لي نصحي له، ثم أردف يعبّر عن الطريقة التي صرت اتعاطى فيها مع الحياة وصنوفها التي تتقاذفنا صباح مساء فتأخذنا يمينًا مرة ويسارًا مرة أخرى.
في كتابه الموسوم بـ «خطرات نفس» يقول الكاتب المصري منصور فهمي في مقالة له بعنوان «العيش الحقير والعيش الكبير» ونشرت في نيسان من العام الف وتسعمائة وثلاثة وعشرين (ليست الحياة ملهى نتوجه فيه بأبصارنا إلى مسرحه الواسع لنشهد أدوار الممثلين. إنما الحياة تدعونا؛ لأن يمثل كلّ منَّا دوره، ويقوم بنصيبه في روايتها التي تتعدد فصولها ما تعاقبت الأجيال)، ولعمري أنه أراد أن ينقل إلينا فكرة غاية في الأهمية مؤداها إن قيمة الفرد وحياته لن تبلغ معشار ذرة حال ظهر فيها مستفيدًا من كل شيء دون أن يفيد، متأثرًا بكل شيء دون أن يؤ?ر. منفعلًا بكل شيء دون أن يكون لبعض شؤون الحياة فاعلًا، ففي مثل هذه الحال تصبح حياة المرء قشورًا لا طائل يُرجى منهال وإنها لتشبه حياة النبات الطفيلي في أبسط مقاربة.
طالما كان الإنسان يملك عقلًا ورؤية ويعرف الاتجاهات التي يسير نحوها بثبات، فإنه يستطيع أن يجعل للحياة قصدًا يسير إليه، وأن يرسم لعيشه نموذجًا ومثالًا حسنًا. وإنه بالإرادة قد يوجه جهوده إلى الوصول لقصده، ولتحقيق ما رسمه لنفسه من مثال حسن.
هذه الحياة تارة تسعدنا وأخرى تبكينا، والفطن والذكي الذي يدعو الله أن يجعل حياته عريضة، بمعنى حياة منتجة يتجاوز فيها الروتين الممل في كلمات ثلاث «أكل، شرب، نام»، وعندئذ سوف يشعر أنه يعيش في كل يوم عُمرًا مضاعفًا، ولا يزيد عُمر الإنسان إلا حال كان شعوره بالآخرين أضعاف شعوره تجاه نفسه، فكن لغيرك أخي الإنسان أكثر مما تكن لنفسك. والسلام.