كتاب

هاجس القبول الجامعي

يمثل القبول الجامعي واحداً من أولويات الأسرة الأردنية ضمن مسلسل التعليم الذي يبدأ وينتهي بماراثون سنة «التوجيهي»، تتقاذف أمواجه بالأمنيات والتوقعات، تتقاطع حقائقه بالمعطيات والمنتجات، حيث يسرق من سنوات العمر، الأشهر الأولى من المرحلة الشبابية التي يجب أن تبدأ بترجمة التطلعات.

حيث الانتقال من المرحلة المدرسية للجامعية، هي الحدث الأهم ضمن محددات المستقبل، خصوصاً للغالبية الكبرى الذين يجدون بتحصيلهم واجتهادهم ومعدلاتهم، السلاح الوحيد المؤهل لدخول البوابة الجامعية بالكلية التي يتمناها إذا سمحت العوامل المساعدة بهذا الأمر، وربما استعراض التاريخ الجامعي لمئوية الدولة الأردنية، نلاحظ بوضوح التوجه نحو التعليم كسلاح مساند لبناء الأوطان، وأكاد أجزم أن الموضوع الأهم الذي يشغل البال ومحل الأحاديث بجميع الصالونات السياسية بمختلف خلفياتها، يتمركز الآن بارتباط وثيق مع نتائج القبول الموحد التي ينتظرها الجميع، فالفئة التي لا ترتبط بهذا الموعد بعد أن حزمت حقائبها بمنطاد اليقين، لا تمثل شريحة مجتمعية بتأثير نسبي لأسباب متعددة؛ نجتهد فيها ونحلل من باب الصواب والخطأ، مذكراً من باب الأمانة أن الأردني يبيع أرضه ويرهن ذاته بمحبة وسعادة لتعليم أبنائه وتسليحهم بالعلم والمعرفة.

كلنا يدرك حجم التحديات التي يواجهه قطاع التعليم في الأردن بشقيه العام والخاص كقطاعات تكاملية للبقاء بدائرة المنافسة ومجلس الحكماء على المستويين المدرسي والجامعي، فالشهادة الأردنية ذات مكانة مقدرة في الصفوف الأولى على المستوى العالمي، ولكن التغيرات بمجالات الحياة المختلفة والأوضاع السائدة في الإقليم والعالم، قد ألقت بصعوبات أمام قطاع التعليم؛ زيادة بعدد السكان، هجرات متواصلة، موجات نزوح متعددة، حروب ملتهبة، ثورات الربيع العربي التي دمرت البنية التحتية.

كما أن فوضى الاستشمار بشتى قطاعات المنافسة أو الاحتكار، قد خلط الأوراق للعبث فيها لينتهي مزاد التفكير بالمزيد من فرضيات اليأس أو الاحباط ليفرض البطء على السرعة، حتى غدت خطوات الجهات المعنية، بقالب الشك والتعامل معها بحذر يتجرد من فرضية الحرص على حياة المواطن.

التغيرات التي أثرت على مشهد قطاع التعليم ومنتجاته، ناتجة بشكلها الأساسي من الاجتهادات الشخصية لبعض أصحاب القرار، وانعدام دور اللجان المسؤولة عن الثبات أو التغيرات بسبب التفرد بالقرار تحت مسميات لم تعد تنطلي على أحد، بجزئية منها حروب مستترة، وقد أصاب هذا الخلل والعبث مناهج التعليم الجامعي لعدم وضوح الأسس والزاميتها لمتخذي القرارات وواضعي السياسات.

لقد شهد قطاع التعليم اهتزازات مؤثرة، خصوصا بتحديات الزيادة السكانية دون التوسع الأفقي بالبنية التحتية الضرورية، فهناك منافسات واستثمارات، لكنها افتقرت للتنظيم والربط المحكم مع الحاجة الوطنية، فبدأت المعاناة من تخمة بالخريجين تسببت بشكل مباشر ببطالة مقنعة، وربما ظروف الواقع الإجتماعي قد ضاعف من زحمة الاصطفاف أمام بوابة الكليات الطبية في الجامعات الحكومية والتي كانت سببا كافيا بظاهره للسماح بفتح الكليات الطبية في القطاع الخاص بمغامرة وضغط من أصحاب رأس المال والمتنفذين، ودون الدخول لتحليل الأسباب أو سرد المبررات. فهناك تحفظ على الانفتاح العشوائي بالتعليم الجامعي في جميع المسارات والكليات، بعد أن وصلنا لعدد قياسي بالجامعات يفوق قدرتنا وحاجتنا، بل يتطلب امكانات مادية ضخمة لا تسمح فيها ظروف واقع الحال، لندخل فوضى المسميات بأنواع القبول، بحثا عن مصادر دخل تؤمن للجامعات بعض متطلباتها وخصوصا الجامعات الحكومية التي تتقيد بقرارات مجلس التعليم العالي الملزمة، ليصبح القبول الموازي والدولي نقطة جذب واستشمار، ومصدر دخل ثابت للجامعات لتأمين أدنى متطلباتها للاستمرارية والمنافسة إذا سمحت الظروف، وهي خطوة ذكية ببداية متواضعة حتى نضجت، لها دور كبير ببعض فقرات الاستقرار الجامعي الحالي.

عدم القدرة على التوسع الأفقي أو العامودي بالجامعات الحكومية، وإضطرارها لزيادة أعداد المقبولين بالكليات المختلفة، وضعف قدرتها على الإستقطاب أو الابتعاث للكفاءات العلمية للتدريس، عقّد المشهد التعليمي، ليجعل المطالبات السنوية بتخفيض أعداد المقبولين كخطوة انقاذ رائدة المحتوى والمناقشة، بدون فلسفة وسياسة واضحة لنتائج مثل هذه الطروحات والتوجهات، والتي أرى فيها اجحاف كبير بحق طلبتنا لتقزيم أمنياتهم، أو فرض مسارات تعليمية ضمن الخيارات لإنقاذ استشمارات بخلفية القناعة أن تضحيات الأردنيين للعلم حاضرة مهما كانت تكلفتها، أو توجيه دعوة مبطنة للدراسة في الخارج حتى جاءت قرارات مجلس التعليم العالي الأخيرة بحلول يجب مناقشتها قبل تنفيذها، فنحن نشتم فيها رائحة الحرص الوطني، ولكن جذرية البتر بهذا المستوى للأعداد بخطط متسرعة، أدخلتنا بنفق الشكوك والمعاناة وكأنه قدر علينا أن لا نفرح، وهو ما سنتناوله بمقالتنا القادمة والتي أتمنى من المجلس الكريم بدراستها بتأني قبل الشروع بطرحها.. وللحديث بقية.