كتاب

استراتيجية الأمن الغذائي ودور القوات المسلحة

انطلاقا من توجيهات صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه المستمرة للحكومات المتعاقبة بوضع استراتيجية واضحة المعالم للأمن الغذائي ترتكز على: (الوفرة، الديمومة، السهولة، سلامة الغذاء). حيث تأتي الاستراتيجية الوطنية التي تضعها الحكومة تماشيا مع السياسة الوطنية التي تكون بمثابة خارطة طريق لعمل الحكومات الاردنية وحسب توجيهات جلالة الملك استجابة لمتغيرات البيئة الاستراتيجية بما فيها من فرص وتحديات.

لقد تابعت قبل يومين برنامج «ستون دقيقة» الذي بثه التلفزيون الأردني أول من أمس الجمعة حيث كان اللقاء مع المهندس محمد الحياري امين عام وزارة الزراعة الذي كان موفقا وواضحا في الحديث عن أهمية وجود استراتيجية امن غذائي ومجلس أعلى للأمن الغذائي يضم الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة وبمشاركة القطاع الخاص للوصول إلى مستوى الاكتفاء الغذائي من حيث الوفرة والنوعية.

في سياق الحديث عن الأمن الغذائي علينا ان لا نفصله عن سياق الامن الوطني الشامل الذي يتكون من: (المكون الاقتصادي، المكون العسكري، المكون السياسي، المكون الاجتماعي، المكون العلمي والتكنولوجي)، بالإضافة إلى متطلبات الأمن الصحي والغذائي والمائي والزراعي..

من هنا ولتحقيق الأمن الغذائي يجب الاخذ بعين الاعتبار دور القوات المسلحة الاردنية بما تمتلكه من خبرات وقدرات وتجارب، وما تمتلكه من موارد بشرية مؤهلة عاملين ومتقاعدين في مجال التفكير والتخطيط الاستراتيجي والمتابعة والتنفيذ والتقييم والتخزين والاستيراد واكبر تجربة ماثلة يشهد لها القاصي والداني وهي الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب التي تشرف عليها القوات المسلحة بالتعاون مع وزارة العمل ووزارة التخطيط وذلك لتلبية السوق المحلي من المهن المختلفة، وما زالت هذه الشركة تسجل نجاحات وانجازات يلمسها المواطن العادي في مجال معالجة قضايا الفقر والبطالة.

دور القوات المسلحة في موضوع الأمن الغذائي والتنمية المستدامة ليس جديدا، فمنذ تأسيس القوات المسلحة وهي تشارك مؤسسات الدولة في التنمية والأعمار، فهناك شراكات إستراتيجية بين القوات المسلحة والحكومة في مجال الحصاد المائي والسدود الخرسانية والحفر الترايية، وفتح الطرق الزراعية، كما تمتلك القوات المسلحة الخبرات والقدرات في مجال زراعة الزيتون، كما تساهم القوات المسلحة في استقرار الاسعار وتوفر المواد والسلع الغذائية من خلال الأسواق التابعة للمؤسسة الاستهلاكية العسكرية المنتشرة على مساحة الوطن الغالي في المحافظات والالوية والبوادي والاغوار، حيث تجاوز عدد الاسواق الـ 100 سوق. بالإضافة الى عشرات الجمعيات الخيرية التعاونية للمتقاعدين العسكريين التي تدعمها مؤسسة المتقاعدين العسكريين، وهذا ما يجب أن يأخذه بعين الاعتبار المفكر والمخطط في المجلس الأعلى للغذاء للاستفادة من خبرات وتجارب مؤسسة المتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى.

تحتاج استراتيجية الأمن الغذائي إلى توحيد جهود الدولة ومؤسساتها الوطنية من خلال شراكات قائمة الخبرات التبادلية مع القوات المسلحة والاستفادة من التنوع الحيوي للبيئة الزراعية الاردنية وتسريع عملية الحصاد المائي بخبرات ومعدات القوات المسلحة التي يمتلكها سلاح الهندسة والاشغال العسكرية، وبناء شراكات تعاقدية بين المستثمرين والمزارعين والبحث عن تحالفات اقليمية ودولية للتصدير.وتحديث قواعد البيانات عن الأراضي ومصادر المياه والمستثمرين والاستفادة من خبرات مؤسسة المتقاعدين العسكريين ومراجعة وتقييم الدروس المستفادة من جائحة كورونا وإنشاء مصانع لتحويل الفائض من المنتجات الزراعية إلى صناعات غذائية من خلال استراتيجية الزراعات التعاقدية، والتوسع في المعارض لتشمل كل محافظات المملكة والبوادي حيث تساعد هذه المعارض كل من المزارعين والمستهلكين ليلتقوا وجها لوجه، بالإضافة إلى الاستمرار في التدريب لصقل مهارات وقدرات المزارعين في مجال استخدام التكنولوجيا الزراعية لتطوير وتحسين منتجهم الزراعي.

أما في مجال الإدارة والتخزين والشحن والتنظيم والحوكمة والمتابعة والتقييم والسيطرة، فأعتقد ان الحكومة الأردنية بحاجة الاستفادة من الخبرات التراكمية التي تمتلكها القوات المسلحة الاردنية على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، وهذه الخبرات والكفاءات قادرة على المساعدة في جعل الاردن مركزا اقليميا للغذاء تصنيعا وتوزيعا وتصديرا.

خلاصة القول أكرر التذكير بقصص النجاح والتميز التي حققتها شركة التدريب والتشغيل من خلال الاهتمام والتوجيهات الملكية، حيث مازالت هذه الشركة تحت مظلة القوات (قيادة وسيطرة وإدارة)، وتمكنت هذه الشركة من تدريب وتخريج عشرات الآلاف الشباب الباحثين عن فرص عمل على جميع المهن التقنية والتكنولوجية ومهن الميكانيك والفندقة والمهن الإنشائية، حيث يتقاضون رواتب وتامين صحي خلال فترة التدريب.. وبعد تخرجهم يتم استقطابهم في القطاع الخاص والشركات الصناعية وقطاع الإنشاءات من خلال منهجية معينة تقوم بها وزارة العمل.

ختاماً علينا كمؤسسات وطنية وقطاع خاص ومستثمرين ومزارعين ان نلتقط التوجيهات الملكية السامية حول استثمار كل ما هو متاح كون الاردن يمتلك مناخات متنوعة تساعد الزراعة على مدار السنة، وثروة حيوانية تغطي احتياجات الإقليم والخليج العربي، حيث يصدر الاردن سنويا إلى اكثر من 700 الف رأس من الماشية إلى دول الخليج.. كل هذه المعطيات والقدرات تجعل من الاردن مركزا للغذاء على مستوى العالم كون الاردن حقق 60% من متطلبات الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء.. فإذا تم تنفيذ استراتيجية الأمن الغذائي فسيكون الاردن بعون الله محط اهتمام العالم وسيكون مركز ثقل استراتيجي في مجال الغذاء والدواء، وبهذا سنحقق الرؤية الملكية في مجال التحديث والتطوير واستقطاب الاستثمارات من أجل حياة أفضل للأجيال القادمة..

لواء ركن متقاعد