كتاب

النزيف البشري

«النزيف البشري» مختصر مؤسف لواقعنا اليوم بزاوية حياتية مفصلية، حيث لا تكاد أخبارنا المحلية تخلو من ضحايا الحوادث المتكررة لسلوكيات بشرية مزعجة وأبسط ما يقال عنها عدم احترامها أو استهتارها بالقوانين والأنظمة النافذة التي تهدف للمحافظة على النفس البشرية من الهلاك، فهناك ممارسات قد حان الوقت لوأدها بوازع أخلاقي لأنها رافد مزود لجدول النزيف البشري بالدماء البريئة، وللتوضيح، فأنا أتحدث عن التصرفات الفردية ضمن منطق السيطرة بالسلوك والتي توجب علينا بنهضة ضميرية شاملة حتى لا نبقى ضمن مساحة الفزعة والارتجال التي كلفتنا الكثير بمختلف مستويات الثمن؛ الإنساني والمادي بالدرجة الأولى، ولنترك للقضاء والقدر النسبة المقررة بالحوادث والحروب والكوارث التي تتمتع بموصافات المفاجأة وخارج نطاق السيطرة، وهي رسائل ربانية للعودة للطريق القويم بالسلوك واحترام الذات والآخرين، وربما نتذكر حياة البركان الأخير بالأمس والجائحة الموقرة بمنهاجها اللعين.

أخبارنا الصباحية على مختلف وسائل التواصل الإجتماعي ومحطات التلفاز والراديو والصحف المحلية تحمل عنوانا مشتركا بفقدان أحبة «ضحايا» لحوادث السيارات اليومية التي تشهدها شوارعنا، حتى غدونا نحتل مركزا متقدما بنسبة الحوادث المرورية وخسائرها بالصور المتعددة، وفي معظمها سبب مشترك يتمثل بالسرعة وعدم احترام القوانين التي تبدأ بصيانة المركبة والتأكد من جاهزيتها، مرورا باستخدام وسائل الأمان المعتمدة ومنها حزام الأمان وعدم التدخين أو رمي المخلفات من النوافذ والتقيد بعدد الركاب داخل المركبة مهما كانت صفتها، ثم التزام مسرب القيادة والسرعة المحددة التي لا يجب تبرير تجاوزها بعامل الزمن وظروف الطريق للوصول بالتوقيت المحدد، ولتوضيح معطيات المعادلة ومدخلاتها، فعلينا التذكر أن تضاريس الطريق (والذي قد يساعد بزيادة نسبة الحوادث ومضاعفاتها)، لا يمكننا محاكمتها أو استخدامها كمبرر، فهناك جهات مسؤولة تتابع وتخطط وتعالج، ليبقى الجزء الأهم باحترام شاخصات الطريق واستخدامه؛ التقيد بأدبيات القيادة لا يحتاج للتذكير أو التحدي لأنه الأساس للامتحان النظري والعملي والأخلاقي عند التقدم للحصول على رخصة القيادة، التي يحظر ممارستها تحت تأثير المشروبات والعقاقير.

هناك تحدٍ جديد قد ساهم بزيادة مضطردة لحوادث المركبات ومضاعفاتها ويتمثل بالإستخدام المفرط للأجهزة الخلوية أثناء القيادة، حيث تطورت مدخلات هذا السلوك السلبي الجاحد من مكالمة هاتفية تحتكر التركيز والانتباه، إلى ممارسة استخدام منصات التواصل الإجتماعي بصورها المختلفة بين الفئة الشبابية وخصوصا تبادل الرسائل والحوارات، سلوك يشفط الفكر والتركيز ويضخه أو يستثمره بممارسة رعنة قد تكون سببا لمصيبة أو كارثة للمستخدم ذاته أو لآخرين كضحايا هذا الاستخدام، فهناك تقدم هائل وحروب وصراعات بين الشركات المصنعة والدول العرابة لهذه الصناعات للسيطرة على الفكر البشري بترسيخ مبدأ الإدمان ليصبح سلوكا غير مؤثر في حديقة التفكير السلبي الجامد، فالخدمات التي تصنف بالمجانية، هي ليست كذلك أبداً، بل مدفوعة الثمن ومقبوضة الأجر بطرق الدفع المتعددة ومنها النفس البشرية، ويقيني أن تغليظ العقوبات بقانون السير الجديد قد يساهم بالحد من هذه الحوادث والممارسات، شريطة توظيفه بعدالة واستحقاق ومساواة.

ضحايا اطلاق الأعيرة النارية بالمناسبات، وسيلة للقتل وإراقة الدماء البريئة الحريصة على الفرح، وهي لا تُمَثّل بأحسن تفسيراتها بأي بُعدٍ حضاري، وبالرغم من تكرار الضحايا لهذا التصرف الأرعن الذي يجد حماية ببعض عاداتنا وتراثنا، فإننا نتعامل معه بواقع الفزعة حتى الساعة؛ الجميع يحزن ويستنكر، يُشهر سيف القانون لتنفيذ العقوبة على الفاعل بعد مراسم الدفن للضحية، أو بعد مرور المدة الكافية للحظة الغضب والانتقام، وهناك نشاط غير مسبوق عبر صفحات منصات التواصل الإجتماعي المليئة بالنصائح والاستنكار، وضخ الخبرات يتماشى معها بالتوازي تصريحات المسؤولين بتطبيق عقوبات القوانين الرادعة وتعهدات بآخر الضحايا ليكون الفاعل العبرة لغيره والذي يجد منافذ جانبية ضمن مساحة الإجتهاد لينفي عنه صفة الأخير بقائمة العقاب ويزحف للمنتصف أو يتكاُ على مساعدات الغير التي تتعاطف أو تستثمر. لمصلحة برسم التحقيق المستقبلي.

لا يوجد تبرير منطقي لاستمرار هذه السلوكيات واستخدام الأسلحة النارية للتعبير عن المشاركة بالفرح والنجاح، الذي ساعد بتعاظم عدد منتسبي جمعية المصابين بتشوعات وإعاقات بسبب الاستخدام المفرط والخاطىء للأسلحة النارية للتعبير، كما لا يمكن قبول السماح للأفراد باستخدام هذه الوسائل لتحصيل الحقوق أو إرهاب الآخرين، فهذا الشق الحياتي من مسؤولية السلطة القضائية، وهي سلطة تتمتع بأعلى درجات النزاهة والحصانة والحماية والدعم والاحترام، أبوابها مفتوحة بالتعاون مع ذراعها الأمني الحريص على تطبيق الأحكام والقانون.

المعالجة الجراحية الجذرية هي الوسيلة الوحيدة القادرة على وقف النزيف البشري وتجفيف منافذ وروافد نهر القتل والموت، فوسائل العلاج التلطيفي أو التداخلي بالمراهنة على الوعي واستنباط النتائج قد ثبت فشلها أو محدودية تأثيرها، وأرى بتوقيع العرائض والتعهدات شكلا متجددا لتطبيقات سابقة، تذوب حروفها وتتجمد خطواتها بعامل الزمن؛ نحن في سباق مع التكنولوجيا التي تحاول بموجاتها الجديدة تصفير ما تبقى لنا من رصيد، ووضعنا في سجن كبير يحركنا عن بُعدْ الريموت الاستعماري وللحديث بقية.