تناولنا فيما مضى وعبر صفحات صحيفة الوطن الأولى"الرأي» وفي مقالتين اثنتين متتاليتين، الحديث في مناسبة تأسيس وافتتاح مدينة الحسين الطبية في الرابع عشر من آب من عام الف وتسعمئة وثلاثة وسبعين، والتي وصفها الراحل الكبير الملك الحسين بن طلال بقوله «إنها إحدى الدُرر في انجازات الأردن الحديث»، والتي ما لبثت أن استجابت للرؤية وحققت الرجاء والطموح فكانت كما أراد لها الحسين، وما زالت في عهد عبدالله الثاني تنهض برسالتها المخلصة وتقدم إضافات نوعية على صعيد نهضة القطاع الطبي الأردني وتقدم أجود أنواع الخدمات والرعاية الصحية بالوجهة التي يتطلع إليها قائدنا المفدى النظار إلى المواطن الأردني باعتباره غاية عمليات التنمية والمستهدف فيها أولًا وأخيرًا.
معالم النهضة الطبية في الأردن عامة والخدمات الطبية خاصة قامت على أكتاف نخبة من رجالات الوطن من الأطباء الذين اختاروا نافذة الخدمات الطبية الملكية ليكونوا نواة وأوائل شاهدين على البدايات المتواضعة التي شكلت منطلقًا امتدت أجنحته وتوسّعت حتى صارت الخدمات الطبية الملكية تضاهي نظيراتها الإقليمية والدولية بل وتتفوق عليها في كثير من الأحيان، ومما لا شك أن حفظ دور هؤلاء والإتيان على ما قاموا به إنما يقع من قبيل ردّ الفضل – بعد الله – لأصحابه من العقول الأردنية الجبّارة التي كانت رائدة في قطاعات وميادين واختصاصات طبية وبشهادات عالمية ذكرنا إحداها في حالة الدكتور زياد شرايحة الطبيب الخاص لسمو الأمير محمد رحمه الله، والحامل للقب «معلم عالمي في الجهاز الهضمي»، ومنهم اللواء الطبيب جرّاح القلب بسام باشا العكشة والطبيب سامي ربابعة ودورهما التاريخي في التوصل لعلاج لحالة خالد مشعل سنة سبعة وتسعين، وغير هؤلاء الكثير.
اليوم أستذكر قامتين وطنيتين كبيرتين كانت لكل منهما جهوده التي لا يمكن القفز عنها كلما جاءت سيرة الحديث عن خدماتنا الطبية الملكية وهما عبدالسلام المجالي (المرجع وبيت الخبرة السياسية والعلمية والعسكرية) الذي أبلى في خدمة الوطن والملك بلاء حسنًا، فهو (طبيب امتياز الخدمات الطبية الملكية، وطبيب عام الجيش العربي الأردني في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، وطبيب مساعد سريري في المستشفى الملكي الوطني للانف والاذن والحنجرة، ومستشار انف واذن وحنجرة وأستاذ الطب في الجامعة الأردنية ورئيسها، وغير ذلك مما لا يتسع المقام إليه، وهو على امتداد سنوات العمر عمل في مراحل تاريخية حاسمة وكان الأهل لكل ما أُسند إليه موظفًا خبراته ومعارفه وعلومه لرفعة الأردن إذ نذر نفسه وظل ملبيًا النداء حتى دنت ساعة رحيله، واليوم نستذكر حجم عطائه الكبير الظاهر للعيان ولكل مخلص وحر شريف.
واما الفريق الطبيب داود باشا حنانيا، فقد كان وما زال اسمًا علمًا وبارزًا في إسناد جهود تعزيز مسيرة تنمية ونهضة القطاع الطبي في الأردن، واقترن اسمه بالخدمات الطبية الملكية طبيبًا وضابطًا وقائدًا ومديرًا، حقق الكثير مما لا يمكن نسيانه على الصعيدين الأردني والعربي على حد سواء، فهو أول من قام باجراء عملية قلب مفتوح سنة سبعين، وأول من قام بإجراء عملية زراعة الكلى سنة اثنتين وسبعين وأول من قام بإجراء عملية زراعة قلب سنة خمسة وثمانين، وغيرها من الأوائل التي لا تحصى في مسيرة هذا الطبيب الذي نستذكر تفانيه في مثل هذه المناسبات الوطنية وأهمها افتتاح مدينة الحسين الطبية.