كتاب

المسؤول الناجح والموظف المجتهد

المسؤول الناجح هو الأساس لاكتشاف مواهب الموظف المجتهد؛ القاعدة الصحيحة للأداء الاداري المتميز، لكن هناك ظاهرة إدارية غريبة لا يقتصر وجودها بمجتمعاتنا العربية وتتلخص باستفراد صاحب القرار بالرأي باسم المجالس التي يرأسها، تحت شعارات متعددة من ألوان الديمقراطية الهشة التي تجعل صوتا واحدا مؤثرا على صوت الجماعة، حتى غدت شرخاً ناخراً مزمناً بهيكل التقدم والتطور، لاعتمادها على الرؤية الأحادية التي تتبناها ملكة المسؤول، وربما حريا أن نطرحها ورقة نقاشية عندما نتحدث عن التطوير الاداري الذي نتمناه، فأبسط مبادئ العمل والنجاح لأي مؤسسة تؤشر لوجود تعاون بثقة ودور حيوي لكل فرد من أفراد المؤسسة، يمنحها هذا الاستحقاق، لأن التفرد بالقرارات برسم الجماعة وتصويت ديمقراطي علني زائف هدفه لإرضاء صاحب القرار، يمهد لانهيار مبرمج لتلك المؤسسة وتواضع نتائجها، خصوصا بقدرة البعض على تطبيق سياسة الترحيل للمشاكل والصعوبات للإدارات القادمة في حال القناعة ولو بدرجة متواضعة بأن كراسي المسؤولية ليست للملكية الفردية أو التوريث، بل هي حق طبيعي لأصحاب الطموح والمجتهدين القادرين على صنع الفرق الايجابي بمسيرة المؤسسة؛ لديهم مخزون من الحس الوطني والانتماء للمؤسسة التي يعملون بها، بهدف المساعدة على تحقيق الأهداف والرؤية، وبعيدا عن الاستخدام المفرط لمبررات الاخفاق التي انتهى عصرها ولم تعد تنطلي على أحد حيث نسمعها من باب الاحترام ولا نأخذ بها من باب الالتزام، خصوصا أن مستخدمها يتكئ على عكازة اخفاق بطمس الحقيقة.

تتجلي درجة الفشل الإداري بالعديد من المؤسسات ذات العلاقة المباشرة والمؤثرة بمسيرة الحياة العامة، بتحجيم واضح لصاحب المركز الثاني في المؤسسة مهما كان مسماه الوظيفي أو دوره المناط به؛ مقيد بل مجرد من الصلاحيات والقرارات، محاصر في المهمات، يمارس دوره الثانوي كتسليك لروتين القدر والأيام على أمل غد يغير الأحوال، يفرض عليه الجلوس بظل الساحة الخلفية لعبقرية اجتهاد المسؤول حارسا ومدافعا شرساً، صورة مغايرة تماما للنهج الاداري الصحيح الهادف للتغيير والتي يجب أن تعكس الرؤية الحصرية لرأس الهرم في المؤسسة مهما بعدت المسافة في القرارات المدروسة والمعبرة والتي تعكس درجة الوفاء للقيم الأخلاقية والوطنية؛ واقع يجعل من صاحب المركز الثاني والناطق باسم المؤسسة يمارس صلاحيات تسيير الأعمال بصورة تلطيفية ذات أبعاد لغوية، دون اتخاذ قرارات حاسمة بهدف الشعور بأهمية الدور الذي يمارسه، حتى لا يكون سبباً بأذية ذاتية للطموحات والفرص المستقبلية المرهونة بأداء الدور الهامشي.

نحن نعلم وندرك أن الموظف النشيط والمبدع والمثابر، يمثل بقرارة البعض خطرا على المسؤولين في الصف الأول، وتهديدا لأمنهم الوظيفي، حيث يمكننا فرزه من تواضع تقاريره السنوية واستشهاداته، عدم استقراره في موقعه، حتى لا يتمكن من هضم مسؤولية الموقع الذي يشغله لينافس عليه في المستقبل، فصوته غير مسموع، ويمنع عليه الابتكار خارج حدود السقف الممنوح له، بل أن فلترة أفكاره وأعماله بقنوات التقزييم والمعالجة، تعكس عليه صدى صوته دون أن يسمع، حتى لا يشغل حجما أكثر من المسموح وربما أشفق كثيرا على البعض الذي يشغل المركز الثاني بمؤسساتنا أو الناطق الاعلامي لتلك المؤسسات، ذات الجدار الحديدي المحكم من صاحب القرار، ليكون عرضة لأسئلة إحراج مجهولة الجواب أو تتعدى سقف المسموح وليس له الحق بابداء الرأي.

المسؤول القوي الناجح الذي وصل على قدميه لقمة السلطة بوضح النهار وليس بمنطاد ليلي في ليلة حالكة الظلام، يحتاج لفريق عمل مساعد وقوي؛ فريق عمل عبقري ومبدع، فريق عمل مجتهد، يناقش ويحلل ويطرح الحلول والبدائل والخطط البديلة، فريق عمل ذات رؤية مختلفة تساهم بتقدم المؤسسة الحقيقي، يطرح أفكاره للمناقشة دون رهبة أو خوف، يعززها بالحجج العلمية والعملية وضمن الامكانات المتوفرة، لا يفرض رأيه بل يجعل منه قاسما مشتركا مع الآخرين لبلورة وجهة نظر موحدة تعكس الحرص والتعاون وتؤسس لمستقبل أفضل فيه لمسات الابداع والتجديد وبعيدا عن الروتين.

المسؤول القوي الواثق، يبتعد عن الاحاطة بسور محكم من الموالين والمنافقين الذين يجددون العهد والبيعة في المؤسسة بنفس الكلمات والسلوكيات مع كل تحديث، والذين يجدون في المسؤول درجة الاكتمال بحكم المنفعة المتبادلة؛ يريد الاطراء المزيف ويريدون الرضى لاكمال المشوار، فهو قادر على استخدام الحنكة والذكاء بالتصنيف والاقتراب من المجتهد لتشكيل كتلة بناء واحدة يندرج تحت مظلتها جميع الأهداف التي تسمع لشجرة الابداع بالثمر والازهار، فالنقد هو السور الحقيقي الذي يشكل مانعا أمام غبار الزمن وعواصف الحقد، ليترك له أثراً يصبح بيوم ما مرفأً للاستشهاد والامتثال، فالخطر الحقيقي لكومبارس المصفقين في المؤسسات بسحرهم القاتل على فكر المسؤول؛ عفن ينخر بالمستقبل ببطء شديد يسبب شرخا يتصدع للابتعاد عن شاطئ الحقيقة، وعلينا أن نتذكر ما بدأنا بأن المسؤول الناجح هو الذراع الحاضن للموظف المجتهد وللحديث بقية.