ثقافة وفنون

سيرة المدينة حين يكتبها الأنثروبولوجي

«مدينة على المتوسط» لـ خالد زيادة..

تنطلق أي كتابة من الشأن الخاص، حتى وإن أريد بها معالجة الشأن العام، ذلك أن الخاص والعام يجب أن يمشيا في الخط نفسه، بل لا يمكن للعام أن يمضي قدما لولا الجدار الصلب الذي أسسه الخاص، فأيّ واحد منا إذا أراد أن يبحث في أمر ما عليه أولاً أن يبحث فيه انطلاقا من معايشته لهذا الحدث وفهمه لتلك الظاهرة، أي أن التجربة الخاصة هي ما يؤسس للكتابة.

هذا ما تميّز به كتاب «مدينة على المتوسط» للمؤرخ والكاتب اللبناني خالد زيادة الذي رصد فيه سيرة مدينة طرابلس بخبرة الأنثروبولوجي، وشغف من يكتب سيرته، وذكاء من يكتب عن المدينة بطريقة أدبية ممتعة تقول الأشياء باختصارٍ يحمل من الكثافة ما يجعل الجملة فكرة يصعب تجازوها دون فهمها، فكتابة سيرة مدينة أمرٌ «ينطوي على جدلية عميقة» على حد تعبيره.

لكن خالد زيادة حين كتب سيرة المدينة أجاد ذلك، بل وصف العلاقة التي تربط المدينة والكتابة وصفا مميزا، يقول: «ليست الأمكنة والمباني والمعالم في نهاية الأمر سوى كلمات في نص المدينة التي توزع الوظائف وتبدلها وتعيد صياغتها، كأنها مفردات وعبارات لا تستقر كتابتها أبداً».

وردّاً على سؤال طُرح عليه فيما يخص سر اهتمامه بتاريخ المدينة يقول: «لعلني أبحث عن شيء يخصني في هذا التاريخ ولا أعرفه»، فهو حين كتب عن المدينة، عرف كيف يتتبع سيرتها انطلاقاً من سيرة مدينته هو، بطريقة تحثنا على التفكير في كل ما نعرفه عن مدننا لدرجة نتمنى فيها أن نكتبها كما كتب زيادة عن طرابلس: «هذه المدينة التي تختصر الكون» على حد تعبيره.

لكنه حين كتب عن المدينة لم يحصرها ضمن إطار المكان، بل تجاوزه إلى الحديث عن المدينة في أزمنة مختلفة، أي الخروج من فترة لأخرى، وكأن هذا الخروج من وجهة نظره كان «يتم في الزمن أكثر مما هو كائن في المكان. كان الانتقال في المكان لا يتعدى مئات الأمتار لكن المقصد هو الانتقال من عصر إلى آخر».

إن الهاجس الذي يشغل خالد زيادة ليس ما طرأ على المدن من تحولات أو ما عبّر عنه بقوله: «إن المدن قاطبة متجهة لتمثل نماذج لا هوية لها تقريبا»، بل ما يشغله هو التحولات التي طرأت على الأجيال أيضا، فالمدن كما وصفها: «تنمو بشكل تعبّر فيه تعبيرا مطابقا عن الأجيال الطالعة».

ومن وجهة نظر زيادة، فإن المدينة الآن هي صورة مطابقة لهذا الجيل الذي لم يستقر على شيء، وكأن أعظم ميزاته عدم امتلاكه لهوية، وهذا ينطبق تماما على العمران، فلا هو حديث بالمعنى الدقيق للكلمة ولا هو قديم بالمعنى الأصيل للكلمة، يقول: «أما اليوم فإن طفرة ديموغرافية وصلت ما بين القديم والحديث، فلم يعد القديم قديما ولم يرقَ الحديثُ إلى معاني الحداثة».

في هذا الكتاب لا يتحدث زيادة عن المكان في وقت بعينه، بل يبحث في المكان باعتباره الشاهد على كل من مروا عليه، فمن وجهة نظره: «ثمة أوقات تكتسب فيها الأمكنة حيوات أخرى». لذا يظل المكان منطقة مليئة بالأسرار، وكل واحد منا يستكشفها انطلاقا من تجربته الخاصة، لذا قد تختلف رؤية المكان من شخص لشخص، ومن وقت لآخر، ومن جيل لجيل.. بالتالي سيكون نقل تلك التجربة أمرا ليس بالسهل، وأتحدث عن الكتابة الإبداعية التي توازن بين التاريخ، والسرد الأدبي، والسيرة الشخصية التي تمشي بالتوازي تماما مع سيرة المكان.. وإن تحدثنا عن المكان، فلا يمكن الحديث عنه انطلاقا من وقائع ما دون ربطها بزمن معين، فكما يرى المؤلف: «ثمة نوع من الثأر، حين يقيم اللاوعي الجماعي تماثلاً بين وقائع تنتمي إلى أزمان مختلفة».

في عبارة أخرى تحمل الكثير من التكثيف يؤكد زيادة: «الواقعة التي يمر بها التاريخ سريعا أو متباطئا، تكثف جملة من التشابكات غير المنظورة أو غير المقروءة».

ينتهج زيادة طريقة خاصة في التعبير عن الأشياء، فهو يقول عن كامل محرم (إحدى شخصياته الروائية): «كأنه علامة من علامات المدينة»، ويقول عن الطقس: «كأن القلق مناخ رطب سيطرَ على مجمل المكان». ويقول: «يوم الأحد أخذ يتسرب إلى حياتنا المنزلية تدريجيا، في الوقت الذي تسرب فيه إلى حياة المدينة وسلوكها». ويقول: «كان الحي، بالنسبة إلي، مكاناً أنثروبولوجياً». ويقول: «كانت هندسته تستعصي على عقلانية الهندسة الحديثة». فهو لا يصف الأشياء كأشياء، بل يسرد سيرة المدينة من خلال العمران، والطقس، والزمن، والأدب، والفكر، والتاريخ. وهذا النوع من الكتابة صعب، فهو لا يكتفي بالحديث عن المدينة من ناحية العمران، بل يتأمل في كل الأمور التي من شأنها أن تجيب عن تساؤلاته حول بحثه في التاريخ على الصعيدين العام والخاص.

يرى عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان غولدمان أن «الفلسفة والأدب من وجهة نظر المادية التاريخية، هما على صعيدين مختلفين تعبيرٌ عن رؤية العالم ليس كوقائع شخصية، بل كوقائع اجتماعية». وهذا الأمر ينطبق تماماً على طريقة خالد زيادة في كتابة السيرة، أي أنه لا يلقيها للقارئ كوقائع شخصية، بل بوصفها وقائع اجتماعية تعبّر عن رؤيته للعالم، فمن خلال الأدب والفلسفة يكتب سيرة المدينة، ولربما يعود هذا المزج بين الفلسفة والأدب إلى كونه درس الفلسفة، لهذا نلمس النفس الفلسفي في «مدينة على المتوسط»، هذا الكتاب الذي طرح فيه مؤلفه فكرة الحداثة التي كانت «أمراً يمارَس يومياً على نحو ما، قبل أن تُكتب سيرة الحداثة وتُقرأ» كما عبّر عن ذلك.

إنه يحاول بطريقته هذه أن يوضح رؤيتنا للحداثة وتساؤلاتنا حولها؛ هل هي شيء منفصل تماماً عن الماضي، أم إنها بنَتْ أسُسَها على «أنقاضه» التي نحاول بطريقة ما ربط الصلة بها على سبيل النوستالجيا.

والسؤال الذي يطرحه زيادة في كتابه «مدينة على المتوسط» الصادر عن دار رياض الريس ودار الشروق: هل ننتمي إلى الحداثة بمفهومها المعاصر، أم إننا ننتمي إلى حداثةٍ لا هوية لها؟

(كاتبة وناقدة جزائرية)