اعداد ـ سارة القضاة - بدأت الحضارة السومرية، وهي أول حضارة إنسانية عرفها التاريخ في العراق ميسوبوتوميا أو أرض ما بين النهرين «دجلة والفرات» او ما تسمى بأرض الهلال الخصيب.
وكانت هذه الحضارة الموغلة في عمق التاريخ سابقة لحضارات الفينيقيين والفراعنة والإغريق والرومان. حيث تكونت حضارة سومر على رأس الخليج، أي في الطرف الجنوبي من العراق، واتخذت من مدينة «أور» الشهيرة عاصمة لها، وقامت هذه الحضارة بناء على أساس موردين طبيعيين أساسيين هما الماء والتربة الخصبة، وساهم الأول في خلق الثاني، أي أن المياه المتدفقة من نهري دجلة والفرات جلبت الترسبات الطينية على مر الأزمان وأوجدت تربة طينية فيضية هي من أصلح الأتربة للزراعة.
ولعل أولى الصراعات التي واجهتها هذه الحضارة كانت مع الطبيعة، أي مع نهري دجلة والفرات، وعلى الرغم من أن هذين النهرين كانا يمثلان مصدرا للحياة بعبورهما في أراضي سومر، إلا أنهما كانا يمثلان أيضاً مصدراً للخراب والدمار والكوارث على المحاصيل وعلى السكان من خلال فيضانهما الذي يحدث بشكل رئيسي مع ذوبان الثلوج على هضبة أرمينيا وجبال زاجروس.
وكان الفيضان بمثابة مفاجأة لسكان المنطقة، ولم تكن هناك وسائل يمكن أن تحذر الناس وتُعْلمهم بمقدم الفيضان الذي يعلن عن نفسه بجرأة دون تردد او سابق إنذار، ومع مرور الوقت اكتسب سكان وادي الرافدين خبرة، وتعرفوا على أوقات مقدم الفيضان الذي يبدأ في أوائل الربيع، ومع بداية ذوبان الثلوج، واستمر الصراع مع هذين النهرين منذ ذلك الوقت وحتى بداية القرن العشرين رغم أن السومريين ابتكروا أنظمة مميزة للري، وحاولوا التخفيف بقدر المستطاع من حدة فيضان النهرين، ودفعت الأرض الخصبة والمياه المتوفرة السومريين إلى استنبات أصناف من الحبوب مما وفَّر منتجات وفائضا زراعيا جيدا، كان دافعا لهجرة الناس من عدة مناطق إلى هذه الأراضي.
ومن رحم الطين الغض ولدت حضارة بابل القديمة، مبجلةً الحياة ومحتفية بها، فكانت سهلا اخضر يرمز إلى الحياة والنضارة، مجبولة بالأساطير والحكايات، ففي العام 1763ق.م جاء حمورابي لينهي عهد الحضارة السومرية، وأوجد إمبراطورية واسعة لم تقتصر على وادي الرافدين وإنما شملت بلاد الشام حيث الدولة العمورية التي انطلق منها حمورابي بما في ذلك ما يعرف الآن بلبنان، كما يعتقد أيضاً أنها ضمت أجزاء من سواحل الخليج العربي، وازدهرت إمبراطورية حمورابي والتي أطلق عليها اسم الحضارة البابلية.
وبابل «Babylonia» تعني «بوابة الإله»، وكان الفرس يطلقون عليها بابروش، أي دولة بلاد ما بين النهرين القديمة، فظهرت الحضارة البابلية ما بين القرنين 18ق.م و 6 ق.م، معتمدة على الزراعة وليس الصناعة، مما جعلها حضارة قابلة للذوبان مع مرور الوقت، جراء الفيضانات المتعاقبة.
وتقع مدينة بابل العظيمة ذات التاريخ المجيد بين النهرين، وهي إلى الفرات أقرب، في الجنوب من بغداد، وإلى الشرق من كربلاء، بجوار مدينة الحلة، والطريق الغربية بين بغداد والبصرة تمر بآثار بابل، وقد اندثرت بابل، إلا أن آثارها ما زالت باقية يؤمها مئات السياح.
وقد بلغ عدد ملوك سلالة بابل والتي تعرف بـ «السلالة الآمورية» أحد عشر ملكاً، حكموا لثلاثة قرون متعاقبة، وفي هذا العصر، بلغت حضارة العراق أوج عظمتها وازدهارها، وعمت اللغة البابلية، تكلماً وكتابة، المنطقة قاطبة، وارتقت العلوم والمعارف والفنون، واتسعت التجارة اتساعاً لا مثيل له في تأريخ هذه المنطقة، وكانت الإدارة مركزية، والبلاد تُحْكَم بقانون موحد سنٍّه الملك حمورابي لجميع شعوبها.
وفيما بعد، استولى ملك الحيثيين مارسيليس على بابل، كما استولى الآشوريون عليها في العام 1240 ق.م. بمعاونة العلاميين، وظهر نبوخذ نصر كملك لبابل في الفترة بين 11245ق.م و 1104 ق.م، ليدخلها في العام 721 ق. م الكلدان، ومن ثم دمر الآشوريون مدينة بابل في العام 689 ق.م، إلا أن البابليين قاموا بثورة ضد حكامهم الآشوريين، وقاموا بغزو آشور في العام 612 ق.م، واستولى نبوخذ نصر الثاني على أورشليم عام 578 ق.م، وسبى اليهود عام 586 ق.م. إلى بابل، كما هزم الفينيقيين في العام 585 ق.م، وبنى حدائق بابل المعلقة، قبل أن يستولي الإمبراطور الفارسي قورش على بابل في العام 500 ق.م. ليضمها لإمبراطوريته.
واشتهر حمورابي بقوانينه التي ربما تم تبني بعضها من قبل أمم لاحقة مثل «العين بالعين والسن وبالسن»، حيث وضع حمورابي شريعته على مسلة من حجر البازلت، نظم من خلالها أمور التجارة والزراعة، كما نظم أمور الزواج والطلاق، وأعطى المرأة الكثير من حقوقها، سامحا لها ممارسة التجارة، وتلقي العلم.
ولعل الفضل في ازدهار حضارة بلاد النهرين يعود أساسا لحمورابي، حيث حكم هذا الملك العظيم في بابل بين عامي 1792 - 1750 ق. م، وعندما تسلم الحكم كانت في البلاد قوى مختلفة، ودويلات متفرقة تتنازع السلطة، فقام أولا بتوحيدها، ومن ثم شرع في بناء صرح إمبراطورية مترامية الأطراف، ضمت أنحاء العراق كافة، والمدن القريبة من بلاد الشام حتى سواحل البحر المتوسط وبلاد عيلام ومناطق أخرى.
وعُرف عن حمورابي انه شخصية عسكرية عالية القدرة، فكان يمسك بزمام الأمور التنظيمية والإدارية، إضافة إلى الجانب العسكري، وبسبب الفكر التنظيمي الذي يملكه حمورابي، ولدت فكرة المسلة المحفوظة الآن في متحف اللوفر في باريس، والتي تعتبر واحدة من أقدم وأشمل القوانين في وادي الرافدين والعالم، وتضم 282 مادة تعالج مختلف شؤون الحياة.
وقد خلّفت حضارة بابل وراءها مدينة أثرية تزخر بالأساطير والعجائب، كما يدين عالم الرياضيات والفلك بالكثير إلى البابليين، فالنظام الستيني لحساب الوقت والزوايا ما يزال معمولا به حتى اليوم، إضافة إلى الأبراج الفلكية وإشاراتها، و كانت العلوم التي حظيت بها بلاد ما بين النهرين فريدة بالرغم من اختلافها عن مفهوم العلوم عند الإغريق، وتميزت منذ بداياتها في سومر قبل منتصف الألفية الثالثة ق.م، باللانهاية، والترقيم الدقيق والترتيب في حقول وجداول وتسلسلات بأبدع نموذج.
كما أن الإنجازات الفنية كان لها نصيب لما كانت عليه من إتقان ومتانة، وكانت جمالية الفن في بابل تخضع للقيم الموضوعية، وبالأخص فن أوروك، ومنحوتات «اختام» في الفترة الأكادية، والنحت شبه البارز «لاشور ناصربال»، والبوابات الثماني التي كانت أفخمها بوابة عشتار الضخمة، إضافة إلى معبد مردوك الموجود داخل الأسوار بساحة المهرجان الديني الكبير، الواقعة خارج المدينة.
ولعل أهم إنجازات الحضارة البابلية في مجال الفنون هي حدائقها المعلقة التي تعد من عجائب الدنيا السبع، فحديقة بابل بنيت في القرن السابع ق.م. في منتصف صحراء بلاد ما بين النهرين القاحلة، وكانت شهادة على قدرة رجل واحد، هو نبوخذ نصر، على خلق واحة نباتية من الجمال وسط كآبة منظر صحراوي، ضدّ كلّ قوانين الطبيعة، وأوجد الملك نبوخذ نصر الحدائق كعلامة احترام لزوجته «أميتاس» التي، بحسب الأسطورة، اشتاقت إلى غابات وورود وطنها، وكانت الحدائق وسطية ومحاطة بحيطان المدينة وبخندق مائي لصدّ الجيوش الغازية.