هدية حسين - تبقى الصورة تفعل فعلها في النفس، تنطبع من اول لقطة وترسخ في الذهن، ثم تصبح اكثر انتشارا في الوقت الذي تتراجع فيه القراءة في عالمنا العربي لصالح المرئيات.
لا اظن احدا لم يشاهد فيلم «ليلة القبض على فاطمة» سينمائيا او تلفزيونيا، ذلك الفيلم الذي كتب السيناريو له واخرجه هنري بركات، عن قصة طويلة او رواية قصيرة للكاتبة سكينة فؤاد بالعنوان ذاته، وحين كتبتها لم يدر في خلدها انها ستتحول الى فيلم ومن ثم الى مسلسل اتسع ليشمل مفردات الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي... فما الذي تغير بين الكتابة والفيلم؟
تقول سكينة فؤاد في أحد حواراتها: «هناك بعض التغيرات في الزمن والموقف السياسي.. في الفيلم حدثت ادانة للثورة وهذا ليس حقيقيا.. انا ابنة الثورة، لا يمكن ان ادين الثورة العربية سواء في مصر او في اي موقع عربي.. انا من جيل ينتمي الى الثورة وينتمي الى التغيير.
* ولكن الا ترمز فاطمة الى التغيير؟
- لم تكن فاطمة هي هذه اللحظة المرتبطة بواقع سياسي معين بقدر ما كانت البعد الانساني لذلك الواقع.. فلو كان قد حدث بعض الخلاف السياسي فهو في البعد الانساني ما بين صراع الانسان من اجل حلمه الابدي في الحق والعدل ورفع الظلم عنه وتحقيق احلامه المتواضعة، ومن اجل حلم الاخرين وليس من اجل نفسه فقط».
قبل ان نغوص في مفردات الرواية والفيلم نسأل: من هي فاطمة؟
يقول تعريف مختصر على الغلاف الاخير «فاطمة امرأة محبة شجاعة تصر على كلمة الحق في زمان اصبح من يقول الحق فيه مجنونا».. وتقول سكينة فؤاد: «فاطمة نموذج حقيقي لامرأة من النساء شاهدتها وانا صبية صغيرة في زمن البدايات.. شاهدت هذه المرأة التي يوجد داخلها صوت وليس لسانا.. صوت لانه يمتلئ بالحق.. تقاتل من اجل الحق قتالا لا هوادة فيه، فعاش هذا النموذج في خزانة الذكريات وقفز عندما بدأت اكتب واسير في طريق الكتابة.. فاذا كان هذا النموذج متهما بالجنون في الزمن الطيب، هروبا من وطأة الحق على لسانه، فكيف يكون في الزمن الرديء عندما اختلطت كل الاشياء واختلطت كل القيم، وفقدت الاسماء مسمياتها الصحيحة؟».
***
يبدأ الفيلم من حيث بدأت الرواية.. من اللحظة التي كانت فيها فاطمة تحسب المسافة بين الباب والنافذة التي ستقفز منها وتختفي اذا ما حاول احد ان يزيح الباب.. في تلك الليلة وضعت فاطمة الموانع خلف بابها ولم تنم: «سيأتون... ما دام قالها سيفعلها».
نعم سيأتون ويلقون القبض عليها.. لا احد يثنيهم عن ذلك.. هذه هي اوامر الاخ «جلال طاهر» الذي ربته وحنت عليه وعلى بقية اخوتها ملبية نداء امها التي رحلت عن الحياة: «انت الاخت الكبيرة، تحملين الهم وتغسلين الغم وتقطعين اللقمة وتربين العيال».
كبر الاخ «جلال» ودخل بيت السياسة من بابها المخلوع، صار بطلا بغير وجه حق، بينما صارت فاطمة «وصمة عار» لا تناسب مقامه الرفيع: «ستموتين بالحيا.. سأنفي عقلك، من يصدق المجانين؟ انت مثلهم تخرفين... سآخذ عقلك امحيه وامحي كل ما فيه وسأقطع لسانك».
لسانها الذي اضطر في اللحظات الحرجة، وهي ما بين الموت والحياة، لفضح بطولته الزائفة.. ولذلك بعث اليها اثنين من رجاله، جاءا لينفذا اوامر البطل الذي دخل مجلس الشعب... مهمتهما يجب ان تنتهي بعيدا عن العيون وفي الليل الحالك وعلى غفلة من سكان العمارة المتعاطفين معها:
«- قالوا ان الاقفال صدئة وزقة واحدة تكفي... فور فتح الباب ضع يدك على فمها وأنا اعقد ذراعيها خلفها ونأخذها».
ولكن خطواتهما المرتبكة وهروبها الى سياج الدور الذي تسكنه ايقظ النائمين... فتحت الابواب وخرج الناس .. تدافعوا الى الدور الاخير.. كان الوقت يقترب من الفجر، شاهدوا رجلين يطاردان امرأة تقف على حافة السياج وتهدد بالانتحار...
من هناك بدأت القصة - الرواية.. وكذلك الفيلم.. وبين ماض ملغوم بالاسرار - سيتكشف لاحقا - وحاضر يتأرجح بين الموت والحياة، تكشف الكاتبة ويسلط المخرج الضوء على تلك الاسرار، بالرجوع من حين لاخر الى سنوات النضال والمقاومة والى واقع الناس الغلابى الذين يعيشون في بيوت تشبه العشش.. ونرى ذلك الصبي «جلال طاهر» الساحر الذي راحت اصابعه «الملعونة» تقلد اي شيء، الاسماء والتواقيع والاشكال والصكوك، فتحول الرمال الى ذهب: «بدأ سره وهو صغير.. يخرج خاويا ويأتي مملوءا بالفلوس.. ويقول اسماء كثيرة.. ساعة قالها لم اكن افهمها.. استيراد وتصدير.. شيكات.. عمولات.. وهو فنان يجعل كل لوحة الف نسخة.. ولوحات الولد امضاءات وشيكات.. كان لساني الملعون يسميها نصبا وتزويرا، وهي بكلام الناس العاقلين شطارة وتشهيل.. ثم قامت الحرب من اجل هذا الولد.. لا تتعجبوا نحن في زمن العجائب».
ومن لقطة قرب السور الى ثانية على سطح اخر، وبين شد وجذب، ومطاردة فاشلة وصمت وانتظار تكمل فاطمة الحكاية: «قفل الانكليز بور فؤاد وحاصروا بورسعيد وفصلوا المقاومة الشعبية عن بعضها وكان الولد منهم... عرفت انه انضم لهم بعد ان امتلأ البيت بصناديق غريبة.. الصناديق تمتلئ بكرات من النار وبنادق ومسدسات من الرعب... سخنت الحرب وحبس الانكليز مجموعة من المقاومة في بورفؤاد وقفلوا عليهم المدينة والمينا.. ولم يتطوع للمهمة غيره».
لكن الولد الذي اسبغ عليه الناس فيما بعد شرف البطولة لم يقم بالمهمة كما شاعت الحكاية.. بل في الوقت الذي كان عليه ان يوصل السلام للمقاومة جلله الخوف وكان فأرا مذعورا ونام في ليلة لم ينم فيها الا الجبان، فقامت فاطمة بالمهمة، وصلت الى المقاومين وادعت انه بعثها بدلا عنه لانه محموم.
وبين حكاية وحكاية ثمة محاولات من الرجلين للامساك بها.. انهما لا يريدان لها ان تموت، فالاخ ذو السلطة والجاه يريدها حية ليطمر الماضي المعتم في حياته الذي لم يعرفه احد غيرها.. ذلك الماضي الذي لم يعد يناسب ما صار اليه، حكاية البطولة التي جاءته من غير وجه حق.. والتخلص من الرجل «سيد» الذي احب فاطمة، والذي اصبح هو الاخر لا يناسب مقام البطل الذي دخل مجلس الشعب.
جلال طاهر، احد النماذج السلبية التي تأخذ من حصة الناس الذين نذروا انفسهم لفعل الخير، موجودة في كل وقت، وستبقى تعيش بيننا برغم ادانتنا او محاربتنا لها.. ان طريق الغش التي بدأها جلال طاهر في طفولته وصباه، واخذته بضربة حظ غير متوقعة الى المناصب العليا.. طريق باطلة... وككل باطل انتهى به الامر الى الهاوية من حيث لا يدري.
وقبل سقوطه المدوي صال وجال وظلم وطغى.. عرض على فاطمة ان تعيش معه في السرايا.. ولانها ابنة بلد، لم تفرط بعشتها ولا بالناس الذين يشبهون ملامحها، رفضت عرضه وفضلت عليه مكان ذكرياتها المرة والحلوة معا.
***
ليس ثمة اختلاف كبير بين الرواية والفيلم، لكن الزمن الذي تكثف في الفيلم جعله يهمل بعض التفاصيل التي وردت في الرواية، ويوحي بأخرى ، ويغير بعض المواقف السياسية، حيث دان بصورة جلية ثورة يوليو.. وكذلك فعلت الرواية ولكن بدرجة اقل وضوحا برغم تأكيد الكاتبة عكس ذلك.. واستل المخرج بعض التفاصيل الصغيرة وسلط عليها مجهره فسطعت وبانت ملامحها وأعطت للقصة زخما وللأدوار الصغيرة حضورا متميزا... فالناس الغلابى على سبيل المثال - سكان العشش - المحيطون بفاطمة والذين عاشوا قصتها، كبرت ادوارهم وصارت كلماتهم اكثر وقعا في الفيلم عنها في الرواية.. وغدت الكثير من الاشارات التي قد تفوت على القارئ او يمر بها مرورا عابرا، اكبر تعبيرا... واستطاع هنري بركات ان ينقل الاحساس بالزمن الى مجساتنا عبر الانتقال بين الماضي البعيد والقريب، والحاضر المرتبك، وما ستؤول اليه الاحداث.
الرواية اعتمدت على تصوير مخيلتنا لما هو مكتوب، والفيلم حول ما كتبته سكينة فؤاد الى اروع اللقطات... واستطاعت فاتن حمامة في اطول ادوارها - على ما اعتقد - ان تقدم جهدا يليق بها كسيدة تربعت على عرش السينما العربية.
«ليلة القبض على فاطمة» - الرواية والفيلم - هي ليلة القبض على الرؤوس التي تحاول في الظلام ان تغير وجه الحقيقة.. وسكينة فؤاد حين جلست وكتبت قصة فاطمة، فلأن هذه المرأة كما قالت الكاتبة «قبضت على مشاعري وعلى نفسي واستولت علي... عندما كنت اجلس لكتابتها اكاد احس انني احبس حتى النفس، واتابع صراعها مع الواقع وتحديها لكل قوى الشر وهي مصرة على ان تحتفظ بنفسها وتوقظ كل الغافلين حولها، وكانت تتحول الى طاقة مشعة في المجموع وتكشف نوايا المتلاعبين بمصائرهم».
وبالتالي فان الكاتبة اذ القت القبض على المتربصين في الظلام، انما ارادت ان تدون جانبا مهما لم يلتفت اليه الكثيرون ولم يكتبه الاخرون.. انه تاريخ الناس البسطاء الذين يكتوون بنيران الثورات قبل ان تكتحل عيونهم بتغييراتها لصالحهم او بالضد منهم.
وسواء ارادت سكينة فؤاد او لم ترد، فان الفيلم جسد المغزى الخفي فيما وراء السطور التي كتبتها، وأمسك بتلابيبه قبل ان يستفحل ويمسك بجميع الرقاب.
سكينة فواد كتبت «ليلة القبض على فاطمة»، بلغة بسيطة مباشرة وواضحة، وهذا لا يعيبها، بل يحسب لها، لأن هذه اللغة تناسب موضوعتها وتتناسب مع مستويات شخصياتها من الناس البسطاء الذين حولتهم الى طاقات مشعة تحكي الواقع دون زيف، وتكشف نوايا المتصيدين في العتمة، وتشعل عود الكبريت من اجل ان يضاء المستقبل.